البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المائدة › [سورة المائدة (5) : آية

والفتنة مرج أحوال الناس واضطراب نظامهم من جراء أضرار ومصائب متوالية، وقد تقدم تحقيقها عند قوله: إنما نحن فتنة في سورة البقرة [102] . وهي قد تكون عقابا من الله للناس جزاء عن سوء فعلهم أو تمحيصا لصادق إيمانهم لتعلو بذلك درجاتهم إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات [البروج: 10] الآية. وسمى القرآن هاروت وماروت فتنة، وسمى النبيء صلى الله عليه وسلم الدجال فتنة، وسمى القرآن مزال الشيطان فتنة لا يفتننكم الشيطان [الأعراف: 27] . فكان معنى الابتلاء ملازما لها. والمعنى: وظنوا أن الله لا يصيبهم بفتنة في الدنيا جزاء على ما عاملوا به أنبياءهم، فهنالك مجرور مقدر دال عليه السياق، أي ظنوا أن لا تنزل بهم مصائب في الدنيا فأمنوا عقاب الله في الدنيا بعد أن استخفوا بعذاب الآخرة، وتوهموا أنهم ناجون منه، لأنهم أبناء الله وأحباؤه، وأنهم لن تمسهم النار إلا أياما معدودة. فمن بديع إيجاز القرآن أن أومأ إلى سوء اعتقادهم في جزاء الآخرة وأنهم نبذوا الفكرة فيه ظهريا وأنهم لا يراقبون الله في ارتكاب القبائح، وإلى سوء غفلتهم عن فتنة الدنيا وأنهم ضالون في كلا الأمرين. ودل قوله: وحسبوا ألا تكون فتنة على أنهم لو لم يحسبوا ذلك لارتدعوا، لأنهم كانوا أحرص على سلامة الدنيا منهم على السلامة في الآخرة لانحطاط إيمانهم وضعف يقينهم. وهذا شأن الأمم إذا تطرق إليها الخذلان أن يفسد اعتقادهم ويختلط إيمانهم ويصير همهم مقصورا على تدبير عاجلتهم، فإذا ظنوا استقامة العاجلة أغمضوا أعينهم عن الآخرة، فتطلبوا السلامة من غير أسبابها، فأضاعوا الفوز الأبدي وتعلقوا بالفوز العاجل فأساؤوا العمل فأصابهم العذابان العاجل بالفتنة والآجل. واستعير عموا وصموا للإعراض عن دلائل الرشاد من رسلهم وكتبهم

التحرير والتنوير · الجزء ٦ · ص ٢٧٦

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٧٦)