البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة المائدة › [سورة المائدة (5) : آية

والتبليغ يحصل بما يكفل للمحتاج إلى معرفة حكم تمكنه من معرفته في وقت الحاجة أو قبله، لذلك كان الرسول- عليه الصلاة والسلام- يقرأ القرآن على الناس عند نزول الآية ويأمر بحفظها عن ظهر قلب وبكتابتها، ويأمر الناس بقراءته وبالاستماع إليه. وقد أرسل مصعبا بن عمير إلى المدينة قبل هجرته ليعلم الأنصار القرآن. وكان أيضا يأمر السامع مقالته بإبلاغها من لم يسمعها، مما يكفل ببلوغ الشريعة كلها للأجيال من الأمة. ومن أجل ذلك كان الخلفاء من بعده يعطون الناس العطاء على قدر ما معهم من القرآن. ومن أجل ذلك أمر أبو بكر بكتابة القرآن في المصحف بإجماع الصحابة، وأكمل تلك المزية عثمان بن عفان بانتساخ القرآن في المصاحف وإرسالها إلى أمصار الإسلام، وقد كان رسول الله عين لأهل الصفة الانقطاع لحفظ القرآن. والذي ظهر من تتبع سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يبادر بإبلاغ القرآن عند نزوله، فإذا نزل عليه ليلا أخبر به عند صلاة الصبح. وفي حديث عمر، قال رسول الله: «لقد أنزلت علي الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس» ثم قرأ: إنا فتحنا لك فتحا مبينا [الفتح: 1] . وفي حديث كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة تبوك «فأنزل الله توبتنا على نبيه حين بقي الثلث الآخر من الليل ورسول الله عند أم سلمة، فقال: يأم سلمة تيب على كعب بن مالك، قالت: أفلا أرسل إليه فأبشره، قال: «إذا يحطمكم الناس فيمنعونكم النوم سائر الليلة. حتى إذا صلى رسول الله صلاة الفجر آذن بتوبة الله علينا» . وفي حديث ابن عباس: أن رسول الله نزلت عليه سورة الأنعام جملة واحدة بمكة ودعا رسول الله الكتاب فكتبوها من ليلتهم. وفي الإتيان بضمير المخاطب في قوله: إليك من ربك إيماء عظيم إلى تشريف الرسول صلى الله عليه وسلم بمرتبة الوساطة بين الله والناس، إذ جعل الإنزال إليه ولم يقل إليكم أو إليهم، كما قال في آية آل عمران [199] وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم، وقوله: لتبين للناس ما نزل إليهم [النحل: 44] .

التحرير والتنوير · الجزء ٦ · ص ٢٥٩

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٥٩)