سورة المائدة › [سورة المائدة (5) : آية
ومعنى يد الله مغلولة الوصف بالبخل في العطاء لأن العرب يجعلون العطاء معبرا عنه باليد، ويجعلون بسط اليد استعارة للبذل والكرم، ويجعلون ضد البسط استعارة للبخل فيقولون: أمسك يده وقبض يده، ولم نسمع منهم: غل يده، إلا في القرآن كما هنا، وقوله: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك في سورة الإسراء [29] ، وهي استعارة قوية لأن مغلول اليد لا يستطيع بسطها في أقل الأزمان، فلا جرم أن تكون استعارة لأشد البخل والشح. واليهود أهل إيمان ودين فلا يجوز في دينهم وصف الله تعالى بصفات الذم. فقولهم هذا: إما أن يكون جرى مجرى التهكم بالمسلمين إلزاما لهذا القول الفاسد لهم، كما روي أنهم قالوا ذلك لما كان المسلمون في أول زمن الهجرة في شدة، وفرض الرسول عليهم الصدقات، وربما استعان باليهود في الديات. وكما روي أنهم قالوه لما نزل قوله تعالى: من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا [البقرة: 245] فقالوا: إن رب محمد فقير وبخيل. وقد حكي عنهم نظيره في قوله تعالى: لقد سمع الله قول الذين قالوا إن الله فقير ونحن أغنياء [البقرة: 181] . ويؤيد هذا قوله عقبه وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا. وإما أن يكونوا قالوه في حالة غضب ويأس فقد روي في سبب نزولها أن اليهود نزلت بهم شدة وأصابتهم مجاعة وجهد، فقال فنحاص بن عازورا هذه المقالة، فإما تلقفوها منه على عادة جهل العامة، وإما نسب قول حبرهم إلى جميعهم لأنهم يقلدونه ويقتدون به. وقد ذمهم الله تعالى على كلا التقديرين، إذ الأول استخفاف بالإسلام وبدينهم أيضا، إذ يجب تنزيه الله تعالى عن هذه المقالات، ولو كانت على نية إلزام الخصم، والثاني ظاهر ما فيه من العجرفة والتأفف من تصرف الله، فقابل الله قولهم بالدعاء عليهم. وذلك ذم على طريقة العرب. وجملة غلت أيديهم معترضة بين جملة وقالت اليهود وبين جملة بل يداه مبسوطتان. وهي إنشاء سب لهم.