سورة المائدة › [سورة المائدة (5) : آية
وقوله: فاحكم بينهم بما أنزل الله أي بما أنزل الله إليك في القرآن، أو بما أوحاه إليك، أو احكم بينهم بما أنزل الله في التوراة والإنجيل ما لم ينسخه الله بحكم جديد، لأن شرع من قبلنا شرع لنا إذا أثبت الله شرعه لمن قبلنا. فحكم النبيء على اليهوديين بالرجم حكم بما في التوراة، فيحتمل أنه كان مؤيدا بالقرآن إذا كان حينئذ قد جاء قوله: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما» . ويحتمل أنه لم يؤيد ولكن الله أوحى إلى رسوله أن حكم التوراة في مثلهما الرجم، فحكم به، وأطلع اليهود على كتمانهم هذا الحكم. وقد اتصل معنى قوله: فاحكم بينهم بما أنزل الله بمعنى قوله: وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط [المائدة: 42] فليس في هذه الآية ما يقتضي نسخ الحكم المفاد من قوله: فإن جاؤك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم [المائدة: 42] ، ولكنه بيان سماه بعض السلف باسم النسخ قبل أن تنضبط حدود الأسماء الاصطلاحية. والنهي عن اتباع أهوائهم، أي أهواء اليهود حين حكموه طامعين أن يحكم عليهم بما تقرر من عوائدهم، مقصود منه النهي عن الحكم بغير حكم الله إذا تحاكموا إليه، إذ لا يجوز الحكم بغيره ولو كان شريعة سابقة، لأن نزول القرآن مهيمنا أبطل ما خالفه، ونزوله مصدقا أيد ما وافقه وزكى ما لم يخالفه. والرسول لا يجوز عليه أن يحكم بغير شرع الله، فالمقصود من هذا النهي: إما إعلان ذلك ليعلمه الناس وييأس الطامعون أن يحكم لهم بما يشتهون، فخطاب النبيء صلى الله عليه وسلم بقوله: ولا تتبع أهواءهم [المائدة: 49] مراد به أن يتقرر ذلك في علم الناس، مثل قوله تعالى: لئن أشركت ليحبطن عملك [الزمر: 65] . وإما تبيين الله لرسوله وجه ترجيح أحد الدليلين عند تعارض الأدلة بأن لا تكون أهواء الخصوم طرقا للترجيح، وذلك أن الرسول- عليه الصلاة والسلام- لشدة رغبته في هدى الناس قد يتوقف في فصل هذا التحكيم، لأنهم وعدوا أنه إن حكم عليهم بما تقرر من عوائدهم يؤمنون به. فقد يقال: إنهم لما تراضوا عليه لم لا يحملون عليه مع ظهور فائدة ذلك وهو دخولهم في الإسلام، فبين الله له أن أمور الشريعة لا تهاون بها، وأن مصلحة احترام الشريعة بين أهلها أرجح من مصلحة