البيانابحثاسألالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › [سورة البقرة (2) : آية

يأمر بارتكاب الشر والفساد أو يصرف عن الأخلاق الفاضلة، وانتفاء ذلك عنه يقتضي أن ما يشتمل عليه القرآن إذا تدبر فيه المتدبر وجده مفيدا اليقين بأنه من عند الله والآية هنا تحتمل المعنيين فلنجعلهما مقصودين منها على الأصل الذي أصلناه في المقدمة التاسعة. وهذا النفي ليس فيه ادعاء ولا تنزيل فهذا الوجه يغني عن تنزيل الموجود منزلة المعدوم فيفيد التعريض بما بين يدي أهل الكتاب يومئذ من الكتب فإنها قد اضطربت أقوالها وتخالفت لما اعتراها من التحريف وذلك لأن التصدي للأخبار بنفي الريب عن القرآن مع عدم وجود قائل بالريب فيما تضمنه أي بريب مستند لموجب ارتياب إذ قصارى ما قالوه فيه أقوال مجملة مثل هذا سحر، هذا أساطير الأولين يدل ذلك التحدي على أن المراد التعريض لا سيما بعد قوله: ذلك الكتاب كما تقول لمن تكلم بعد قوم تكلموا في مجلس وأنت ساكت: هذا الكلام صواب تعرض بغيره. وبهذا الوجه أيضا يتسنى اتحاد المعنى عند الوقف لدى من وقف على فيه ولدى من وقف على ريب، لأنه إذا اعتبر الظرف غير خبر وكان الخبر محذوفا أمكن الاستغناء عن هذا الظرف من هاته الجملة، وقد ذكر «الكشاف» أن الظرف وهو قوله: فيه لم يقدم على المسند إليه وهو ريب (أي على احتمال أن يكون خبرا عن اسم لا) كما قدم الظرف في قوله: لا فيها غول [الصافات: 47] لأنه لو قدم الظرف هنا لقصد أن كتابا آخر فيه الريب اه. يعني لأن التقديم في مثله يفيد الاختصاص فيكون مفيدا أن نفي الريب عنه مقصور عليه وأن غيره من الكتب فيه الريب وهو غير مقصود هنا. وليس الحصر في قوله: لا ريب فيه بمقصود لأن السياق خطاب للعرب المتحدين بالقرآن وليسوا من أهل كتاب حتى يرد عليهم. وإنما أريد أنهم لا عذر لهم في إنكارهم أنه من عند الله إذ هم قد دعوا إلى معارضته فعجزوا. نعم يستفاد منه تعريض بأهل الكتاب الذين آزروا المشركين وشجعوهم على التكذيب به بأن القرآن لعلو شأنه بين نظرائه من الكتب ليس فيه ما يدعو إلى الارتياب في كونه منزلا من الله إثارة للتدبر فيه هل يجدون ما يوجب الارتياب فيه وذلك يستطير جاثم إعجابهم بكتابهم المبدل المحرف فإن الشك في الحقائق رائد ظهورها. والفجر بالمستطير بين يدي طلوع الشمس بشير بسفورها. وقد بنى كلامه على أن الجملة المكيفة بالقصر في حالة الإثبات لو دخل عليها نفي وهي بتلك الكيفية أفاد قصر النفي لا نفي القصر، وأمثلة

التحرير والتنوير · الجزء ١ · ص ٢٢٤

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١/٢٢٤)