سورة النساء › سورة النساء (4) : الآيات 163 إلى 165
أما كلام الله الوارد للرسول بواسطة الملك وهو المعبر عنه بالقرآن وبالتوراة والإنجيل وبالزبور: فتلك ألفاظ وحروف وأصوات يعلمها الله للملك بكيفية لا نعلمها، يعلم بها الملك أن الله يدل، بالألفاظ المخصوصة الملقاة للملك، على مدلولات تلك الألفاظ فيلقيها الملك على الرسول كما هي قال تعالى: أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء [الشورى: 51] وقال: نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين [الشعراء: 193- 195] . وهذا لا يمتري في حدوثه من له نصيب من العلم في الدين. ولكن أمسك بعض أئمة الإسلام عن التصريح بحدوثه، أو بكونه مخلوقا، في مجالس المناظرة التي غشيتها العامة، أو ظلمة المكابرة، والتحفز إلى النبز والأذى: دفعا للإيهام، وإبقاء على النسبة إلى الإسلام، وتنصلا من غوغاء الطعام، فرحم الله نفوسا فتنت، وأجسادا أوجعت، وأفواها سكتت، والخير أرادوا، سواء اقتصدوا أم زادوا. والله حسيب الذين ألبوا عليهم وجمعوا، وأغروا بهم وبئس ما صنعوا. وقوله تكليما مصدر للتوكيد. والتوكيد بالمصدر يرجع إلى تأكيد النسبة وتحقيقها مثل (قد) و (إن) ، ولا يقصد به رفع احتمال المجاز، ولذلك أكدت العرب بالمصدر أفعالا لم تستعمل إلا مجازا كقوله تعالى: إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا فإنه أراد أنه يطهرهم الطهارة المعنوية، أي الكمال النفسي، فلم يفد التأكيد رفع المجاز. وقالت هند بنت النعمان بن بشير تذم زوجها روح بن زنباع: بكى الخز من روح وأنكر جلده ... وعجت عجيجا من جذام المطارف وليس العجيج إلا مجازا، فالمصدر يؤكد، أي يحقق حصول الفعل الموكد على ما هو عليه من المعنى قبل التأكيد. فمعنى قوله: تكليما هنا: أن موسى سمع كلاما من عند الله، بحيث لا يحتمل أن الله أرسل إليه جبريل بكلام، أو أوحى إليه في نفسه. وأما كيفية صدور هذا الكلام عن جانب الله فغرض آخر هو مجال للنظر بين الفرق، ولذلك