البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النساء › [سورة النساء (4) : الآيات 160 إلى

(162) إن كان متعلق قوله: فبما نقضهم [النساء: 155] محذوفا على أحد الوجهين المتقدمين كان قوله: فبظلم مفرعا على مجموع جرائمهم السالفة. فيكون المراد بظلمهم ظلما آخر غير ما عدد من قبل، وإن كان قوله: فبما نقضهم [النساء: 155] متعلقا بقوله: حرمنا عليهم فقوله: فبظلم الخ بدل مطابق من جملة فبما نقضهم ميثاقهم [النساء: 155] بإعادة العامل في البدل منه لطول الفصل. وفائدة الإتيان به أن يظهر تعلقه بقوله: حرمنا عليهم طيبات إذ بعد ما بينه وبين متعلقه، وهو قوله: فبما نقضهم ميثاقهم [النساء: 155] ليقوى ارتباط الكلام. وأتي في جملة البدل بلفظ جامع للمبدل منه وما عطف عليه: لأن نقض الميثاق، والكفر، وقتل الأنبياء، وقولهم قلوبنا غلف، وقولهم على مريم بهتانا، وقولهم قتلنا عيسى: كل ذلك ظلم. فكانت الجملة الأخيرة بمنزلة الفذلكة لما تقدم، كأنه قيل: فبذلك كله حرمنا عليهم، لكن عدل إلى لفظ الظلم لأنه أحسن تفننا، وأكثر فائدة من الإتيان باسم الإشارة. وقد مر بيان ذلك قريبا عند قوله تعالى: فبما نقضهم [النساء: 155] . ويجوز أن يكون ظلما آخر أجمله القرآن. وتنكير (ظلم) للتعظيم، والعدول عن أن يقول «فبظلمهم» ، حتى تأتي الضمائر متتابعة من قوله: فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم إلى آخره، إلى الاسم الظاهر وهو الذين هادوا لأجل بعد الضمير في الجملة المبدل منها: وهي فبما نقضهم [النساء: 155] . ولأن في الموصول وصلته ما يقتضي التنزه عن الظلم لو كانوا كما وصفوا أنفسهم، فقالوا: إنا هدنا إليك [الأعراف: 156] فصدور الظلم عن الذين هادوا محل استغراب. والآية اقتضت: أن تحريم ما حرم عليهم إنما كان عقابا لهم، وأن تلك المحرمات ليس فيها من المفاسد ما يتقضي تحريم تناولها، وإلا لحرمت عليهم من أول مجيء الشريعة. وقد قيل: إن المراد بهذه الطيبات هو ما ذكر في قوله تعالى: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم حرمنا عليهم شحومهما- إلى قوله- ذلك جزيناهم ببغيهم في سورة الأنعام [146] ، فهذا هو الجزاء على ظلمهم.

التحرير والتنوير · الجزء ٦ · ص ٢٦

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٢٦)