البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النساء › [سورة النساء (4) : الآيات 150 إلى

يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا [المائدة: 44] وقول النبيء صلى الله عليه وسلم: «ما بال أقوام يشترطون شروطا» . وجيء بالمضارع هنا للدلالة على أن هذا أمر متجدد فيهم مستمر، لأنهم لو كفروا في الماضي ثم رجعوا لما كانوا أحرياء بالذم. ومعنى كفرهم بالله: أنهم لما آمنوا به ووصفوه بصفات غير صفاته من التجسيم واتخاذ الصاحبة والولد والحلول ونحو ذلك، فقد آمنوا بالاسم لا بالمسمى، وهم في الحقيقة كفروا بالمسمى، كما إذا كان أحد يظن أنه يعرف فلانا فقلت له: صفه لي، فوصفه بغير صفاته، تقول له: «أنت لا تعرفه» على أنهم لما كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم فقد كفروا بما جاء به من توحيد الله وتنزيهه عن مماثلة الحوادث، فقد كفروا بإلهيته الحقة، إذ منهم من جسم ومنهم من ثلث. ومعنى قوله: ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله أنهم يحاولون ذلك فأطلقت الإرادة على المحاولة، وفيه إيذان بأنه أمر صعب المنال، وأنهم لم يبلغوا ما أرادوا من ذلك، لأنهم لم يزالوا يحاولونه، كما دل عليه التعبير بالمضارع في قوله: ويريدون ولو بلغوا إليه لقال: وفرقوا بين الله ورسله. ومعنى التفريق بين الله ورسله أنهم ينكرون صدق بعض الرسل الذين أرسلهم الله، ويعترفون بصدق بعض الرسل دون بعض، ويزعمون أنهم يؤمنون بالله، فقد فرقوا بين الله ورسله إذ نفوا رسالتهم فأبعدوهم منه، وهذا استعارة تمثيلية، شبه الأمر المتخيل في نفوسهم بما يضمره مريد التفريق بين الأولياء والأحباب، فهي تشبيه هيئة معقولة بهيئة معقولة، والغرض من التشبيه تشويه المشبه، إذ قد علم الناس أن التفرقة بين المتصلين ذميمة. وهذه الآية في معنى الآيات التي تقدمت في سورة البقرة: لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون [البقرة: 136] ، لا نفرق بين أحد من رسله [البقرة: 285] ،

التحرير والتنوير · الجزء ٦ · ص ٩

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/٩)