سورة النساء › [سورة النساء (4) : الآيات 148 إلى
تستحيل حقيقتهما على الله تعالى، لأنهما انفعالان للنفس نحو استحسان الحسن، واستنكار القبيح، فالمراد لازمهما المناسب للإلهية، وهما الرضا والغضب. وصيغة لا يحب، بحسب قواعد الأصول، صيغة نفي الإذن. والأصل فيه التحريم. وهذا المراد هنا لأن لا يحب يفيد معنى يكره، وهو يرجع إلى معنى النهي. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا- إلى قوله- ويكره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال» . فهذه أمور ثلاثة أكثر أحوالها محرم أو مكروه. والمراد بالجهر ما يبلغ إلى أسماع الناس إذ ليس السر بالقول في نفس الناطق مما ينشأ عنه ضر. وتقييده بالقول لأنه أضعف أنواع الأذى فيعلم أن السوء من الفعل أشد تحريما. واستثنى من ظلم فرخص له الجهر بالسوء من القول. والمستثنى منه هو فاعل المصدر المقدر الواقع في سياق النفي، المفيد للعموم، إذ التقدير: لا يحب الله جهر أحد بالسوء، أو يكون المستثنى مضافا محذوفا، أي: إلا جهر من ظلم، والمقصود ظاهر، وقد قضي في الكلام حق الإيجاز. ورخص الله للمظلوم الجهر بالقول السيء ليشفي غضبه، حتى لا يثوب إلى السيف أو إلى البطش باليد، ففي هذا الإذن توسعة على من لا يمسك نفسه عند لحاق الظلم به، والمقصود من هذا هو الاحتراس في حكم لا يحب الله الجهر بالسوء من القول. وقد دلت الآية على الإذن للمظلوم في جميع أنواع الجهر بالسوء من القول، وهو مخصوص بما لا يتجاوز حد التظلم فيما بينه وبين ظالمه، أو شكاية ظلمه: أن يقول له: ظلمتني، أو أنت ظالم وأن يقول للناس: إنه ظالم. ومن ذلك الدعاء على الظالم جهرا لأن الدعاء عليه إعلان بظلمه وإحالته على عدل الله تعالى، ونظير هذا المعنى كثير في القرآن، وذلك مخصوص بما لا يؤدي إلى القذف، فإن دلائل النهي عن القذف وصيانة النفس من أن تتعرض لحد القذف أو تعزيز الغيبة، قائمة في الشريعة. فهذا الاستثناء مفيد إباحة الجهر بالسوء من القول من جانب