البيانابحثاسألالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النساء › سورة النساء (4) : آية 144

والظاهر أن المراد بالكافرين هنا مشركو مكة وأهل الكتاب من أهل المدينة، لأن المنافقين كانوا في الأكثر موالين لأهل الكتاب. وقوله: أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا استئناف بياني، لأن النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء مما يبعث الناس على معرفة جزاء هذا الفعل مع ما ذكرناه من قصد التشهير بالمنافقين والتسجيل عليهم، أي أنكم إن استمررتم على موالاة الكافرين جعلتم لله عليكم سلطانا مبينا، أي حجة واضحة على فساد إيمانكم، فهذا تعريض بالمنافقين. فالاستفهام مستعمل في معنى التحذير والإنذار مجازا مرسلا. وهذا السلطان هو حجة الرسول عليهم بأنهم غير مؤمنين فتجري عليهم أحكام الكفر، لأن الله عالم بما في نفوسهم لا يحتاج إلى حجة عليهم، أو أريد حجة افتضاحهم يوم الحساب بموالاة الكافرين، كقوله: لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل [النساء: 165] . ومن هنا يجوز أيضا أن يكون المراد من الحجة قطع حجة من يرتكب هذه الموالاة والإعذار إليه. [145، 146] إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما (146) عقب التعريض بالمنافقين من قوله: لا تتخذوا الكافرين أولياء كما تقدم بالتصريح بأن المنافقين أشد أهل النار عذابا. فإن الانتقال من النهي عن اتخاذ الكافرين أولياء إلى ذكر حال المنافقين يؤذن بأن الذين اتخذوا الكافرين أولياء معدودن من المنافقين، فإن لانتقالات جمل الكلام معاني لا يفيدها الكلام لما تدل عليه من ترتيب الخواطر في الفكر.

التحرير والتنوير · الجزء ٥ · ص ٢٤٣

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٢٤٣)