البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النساء › [سورة النساء (4) : الآيات 123 إلى

ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب. ثم إن الله لوح إلى فلج حجة المسلمين بإشارة قوله: وهو مؤمن فإن كان إيمان اختل منه بعض ما جاء به الدين الحق، فهو كالعدم، فعقب هذه الآية بقوله: ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا [النساء: 125] . والمعنى أن الفوز في جانب المسلمين، لا لأن أمانيهم كذلك، بل لأن أسباب الفوز والنجاة متوفرة في دينهم. وعن عكرمة: قالت اليهود والنصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان منا. وقال المشركون: لا نبعث. والباء في قوله: بأمانيكم للملابسة، أي ليس الجزاء حاصلا حصولا على حسب أمانيكم، وليست هي الباء التي تزاد في خبر ليس لأن أماني المخاطبين واقعة لا منفية. والأماني جمع أمنية، وهي اسم للتمني، أي تقدير غير الواقع واقعا. والأمنية بوزن أفعولة كالأعجوبة. وقد تقدم ذلك في تفسير قوله تعالى: لا يعلمون الكتاب إلا أماني في سورة البقرة [78] . وكأن ذكر المسلمين في الأماني لقصد التعميم في تفويض الأمور إلى ما حكم الله ووعد، وأن ما كان خلاف ذلك لا يعتد به. وما وافقه هو الحق، والمقصد المهم هو قوله: ولا أماني أهل الكتاب على نحو: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين [سبأ: 24] فإن اليهود كانوا في غرور، يقولون: لن تمسنا النار إلا أياما معدودة. وقد سمى الله تلك أماني عند ذكره في قوله: وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة [البقرة: 80] تلك أمانيهم [البقرة: 111] . أما المسلمون فماحشون من اعتقاد مثل ذلك. وقيل: الخطاب لكفار العرب، أي ليس بأماني المشركين، إذ جعلوا الأصنام شفعاءهم عند الله، ولا أماني أهل الكتاب الذين زعموا أن أنبياءهم وأسلافهم يغنون عنهم من عذاب الله، وهو محمل للآية. وقوله: ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا زيادة تأكيد، لرد عقيدة من يتوهم أن أحدا يغني عن عذاب الله. والولي هو المولى، أي المشارك في نسب القبيلة، والمراد به المدافع عن قريبه، والنصير الذي إذا استنجدته نصرك، أو الحليف، وكان النصر في الجاهلية بأحد هذين النوعين.

التحرير والتنوير · الجزء ٥ · ص ٢٠٩

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/٢٠٩)