سورة النساء › [سورة النساء (4) : آية
والمحاورات أن تكون جهرة، لأن الصراحة من أفضل الأخلاق لدلالتها على ثقة المتكلم برأيه، وعلى شجاعته في إظهار ما يريد إظهاره من تفكيره، فلا يصير إلى المناجاة إلا في أحوال شاذة يناسبها إخفاء الحديث. فمن يناجي في غير تلك الأحوال رمي بأن شأنه ذميم، وحديثه فيما يستحيي من إظهاره، كما قال صالح بن عبد القدوس: الستر دون الفاحشات ولا ... يغشاك دون الخير من ستر وقد نهى الله المسلمين عن النجوى غير مرة، لأن التناجي كان من شأن المنافقين فقال: ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه [المجادلة: 8] وقال: إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا [المجادلة: 10] . وقد ظهر من نهي النبيء صلى الله عليه وسلم أن يتناجى اثنان دون ثالث أن النجوى تبعث الريبة في مقاصد المتناجين، فعلمنا من ذلك أنها لا تغلب إلا على أهل الريب والشبهات، بحيث لا تصير دأبا إلا لأولئك، فمن أجل ذلك نفى الله الخير عن أكثر النجوى. ومعنى لا خير أنه شر، بناء على المتعارف في نفي الشيء أن يراد به إثبات نقيضه، لعدم الاعتداد بالواسطة، كقوله تعالى: فماذا بعد الحق إلا الضلال [يونس: 32] ، ولأن مقام التشريع إنما هو بيان الخير والشر. وقد نفى الخير عن كثير من نجواهم أو متناجيهم، فعلم من مفهوم الصفة أن قليلا من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع. والاستثناء في قوله: إلا من أمر بصدقة على تقدير مضاف، أي: إلا نجوى من أمر، أو بدون تقدير إن كانت النجوى بمعنى المتناجين، وهو مستثنى من كثير، فحصل من مفهوم الصفة ومفهوم الاستثناء قسمان من النجوى يثبت لهما الخير، ومع ذلك فهما قليل من نجواهم. أما القسم الذي أخرجته الصفة، فهو مجمل يصدق في الخارج على كل نجوى تصدر منهم فيها نفع، وليس فيها ضرر، كالتناجي في تشاور فيمن يصلح لمخالطة، أو نكاح أو نحو ذلك.