البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النساء › [سورة النساء (4) : الآيات 105 إلى

ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بحق أخيه فلا يأخذه فإنما أقتطع له قطعة من نار» . وغير الرسول يخطىء في الاندراج، ولذلك وجب بذل الجهد واستقصاء الدليل، ومن ثم استدل علماؤنا بهذه الآية على وجوب الاجتهاد في فهم الشريعة. وعن عمر بن الخطاب أنه قال: «لا يقولن أحد قضيت بما أراني الله تعالى فإن الله تعالى لم يجعل ذلك إلا لنبيه وأما الواحد منا فرأيه يكون ظنا ولا يكون علما» ، ومعناه هو ما قدمناه من عروض الخطأ في الفهم لغير الرسول دون الرسول صلى الله عليه وسلم. واللام في قوله: للخائنين خصيما لام العلة وليست لام التقوية. ومفعول خصيما محذوف دل عليه ذكر مقابله وهو للخائنين أي لا تكن تخاصم من يخاصم الخائنين، أي لا تخاصم عنهم. فالخصيم هنا بمعنى المنتصر المدافع كقوله: «كنت أنا خصمه يوم القيامة» . والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد الأمة، لأن الخصام عن الخائنين لا يتوقع من النبيء صلى الله عليه وسلم، وإنما المراد تحذير الذين دفعتهم الحمية إلى الانتصار لأبناء أبيرق. والأمر باستغفار الله جرى على أسلوب توجيه الخطاب إلى الرسول، فالمراد بالأمر غيره، أرشدهم إلى ما هو أنفع لهم وهو استغفار الله مما اقترفوه، أو أراد: واستغفر الله للخائنين ليلهمهم إلى التوبة ببركة استغفارك لهم فذلك أجدر من دفاع المدافعين عنهم. وهذا نظير قوله: ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤك فاستغفروا الله [النساء: 64] وليس المراد بالأمر استغفار النبيء لنفسه، كما أخطأ فيه من توهم ذلك، فركب عليه أن النبيء صلى الله عليه وسلم خطر بباله ما أوجب أمره بالاستغفار، وهو همه أن يجادل عن بني أبيرق، مع علمه بأنهم سرقوا، خشية أن يفتضحوا، وهذا من أفهام الضعفاء وسوء وضعهم الأخبار لتأييد سقيم أفهامهم. والخطاب في قوله: ولا تجادل للرسول، والمراد نهي الأمة عن ذلك، لأن مثله لا يترقب صدوره من الرسول عليه الصلاة والسلام كما دل عليه قوله تعالى: ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا.

التحرير والتنوير · الجزء ٥ · ص ١٩٣

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/١٩٣)