المقدمة الثانية في استمداد علم التفسير
شاهدوا نزول الوحي من بيان سبب النزول، وناسخ ومنسوخ، وتفسير مبهم، وتوضيح واقعة من كل ما طريقهم فيه الرواية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، دون الرأي وذلك مثل كون المراد من المغضوب عليهم اليهود ومن الضالين النصارى، ومثل كون المراد من قوله تعالى: ذرني ومن خلقت وحيدا [المدثر: 11] الوليد بن المغيرة المخزومي أبا خالد بن الوليد، وكون المراد من قوله تعالى: أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا [مريم: 77] الآية، العاصي بن وائل السهمي في خصومته بينه وبين خباب بن الأرت كما في «صحيح البخاري» في تفسير سورة المدثر. قال ابن عباس: مكثت سنين أريد أن أسأل عمر عن المرأتين اللتين تظاهرتا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يمنعني إلا مهابته، ثم سألته فقال هما حفصة وعائشة. ومعنى كون أسباب النزول من مادة التفسير، أنها تعين على تفسير المراد، وليس المراد أن لفظ الآية يقصر عليها، لأن سبب النزول لا يخصص، قال تقي الدين السبكي: وكما أن سبب النزول لا يخصص، كذلك خصوص غرض الكلام لا يخصص، كأن يرد خاص ثم يعقبه عام للمناسبة فلا يقتضى تخصيص العام، نحو فلا جناح عليهما أن يصلحا بينهما صلحا والصلح خير [النساء: 128] وقد يكون المروي في سبب النزول مبينا ومؤولا لظاهر غير مقصود، فقد توهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا [المائدة: 93] فاعتذر بها لعمر بن الخطاب في شرب قدامة خمرا، روي أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين فقدم الجارود على عمر فقال: إن قدامة شرب فسكر، فقال عمر من يشهد على ما تقول، قال الجارود أبو هريرة يشهد على ما أقول وذكر الحديث، فقال عمر يا قدامة إني جالدك، قال والله لو شربت كما يقولون ما كان لك أن تجلدني، قال عمر ولم؟ قال لأن الله يقول: ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح إلخ، فقال عمر إنك أخطأت التأويل يا قدامة، إذا اتقيت الله اجتنبت ما حرم الله. وفي رواية فقال لم تجلدني! بيني وبينك كتاب الله، فقال عمر وأي كتاب الله تجد أن لا أجلدك؟ قال: إن الله يقول في كتابه: ليس على الذين آمنوا إلى آخر الآية فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله بدرا وأحدا والخندق والمشاهد، فقال عمر ألا تردون عليه قوله! فقال ابن عباس، إن هؤلاء الآيات أنزلن عذرا للماضين وحجة على الباقين،