سورة النساء › سورة النساء (4) : آية 94
وجملة لست مؤمنا مقول لا تقولوا. وقرأ الجمهور: مؤمنا- بكسر الميم الثانية- بصيغة اسم الفاعل، أي لا تنفوا عنه الإيمان وهو يظهره لكم، وقرأه ابن وردان عن أبي جعفر- بفتح الميم الثانية- بصيغة اسم المفعول، أي لا تقولوا له لست محصلا تأميننا إياك، أي إنك مقتولا أو مأسور. وعرض الحياة: متاح الحياة، والمراد به الغنيمة فعبر عنها ب عرض الحياة تحقيرا لها بأنها نفع عارض زائل. وجملة تبتغون حالية، أي ناقشتموه في إيمانه خشية أن يكون قصد إحراز ماله، فكان عدم تصديقه آئلا إلى ابتغاء غنيمة ماله، فأوخذوا بالمئال. فالمقصود من هذا القيد زيادة التوبيخ، مع العلم بأنه لو قال لمن أظهر الإسلام: لست مؤمنا، وقتله غير آخذ منه مالا لكان حكمه أولى ممن قصد أخذ الغنيمة، والقيد ينظر إلى سبب النزول، والحكم أعم من ذلك. وكذلك قوله: فعند الله مغانم كثيرة أي لم يحصر الله مغانمكم في هذه الغنيمة. وزاد في التوبيخ قوله: كذلك كنتم من قبل أي كنتم كفارا فدخلتم الإسلام بكلمة الإسلام، فلو أن أحدا أبى أن يصدقكم في إسلامكم أكان يرضيكم ذلك. وهذه تربية عظيمة، وهي أن يستشعر الإنسان عند مؤاخذته غيره أحوالا كان هو عليها تساوي أحوال من يؤاخذه، كمؤاخذة المعلم التلميذ بسوء إذا لم يقصر في إعمال جهده. وكذلك هي عظيمة لمن يمتحنون طلبة العلم فيعتادون التشديد عليهم وتطلب عثراتهم، وكذلك ولاة الأمور وكبار الموظفين في معاملة من لنظرهم من صغار الموظفين، وكذلك الآباء مع أبنائهم إذا بلغت بهم الحماقة أن ينتهروهم على اللعب المعتاد أو على الضجر من الآلام. وقد دلت الآية على حكمة عظيمة في حفظ الجامعة الدينية، وهي بث الثقة والأمان بين أفراد الأمة، وطرح ما من شأنه إدخال الشك لأنه إذا فتح هذا الباب عسر سده، وكما يتهم المتهم غيره فللغير أن يتهم من اتهمه، وبذلك ترتفع الثقة، ويسهل على ضعفاء الإيمان المروق، إذ قد أصبحت التهمة تظل الصادق والمنافق، وانظر معاملة النبي- صلى الله عليه وسلم- المنافقين معاملة المسلمين. على أن هذا الدين سريع السريان في القلوب فيكتفي أهله بدخول الداخلين فيه من غير مناقشة، إذ لا يلبثون أن يألفوه،