البيانابحثاسألالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النساء › [سورة النساء (4) : آية

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فإذا قال الراد: «وعليكم السلام» إلخ، كان قد ردها بأحسن منها بزيادة الواو، وهذا وهم. ومعنى (ردوها) ردوا مثلها، وهذا كقولهم: عندي درهم ونصفه، لظهور تعذر رد ذات التحية، وقوله تعالى: إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك وهو يرثها [النساء: 176] فعاد ضمير «وهو» وهاء «يرثها» إلى اللفظين لا إلى الذاتين، ودل الأمر على وجوب رد السلام، ولا دلالة في الآية على حكم الابتداء بالسلام، فذلك ثابت بالسنة للترغيب فيه. وقد ذكروا أن العرب كانوا لا يقدمون اسم المسلم عليه المجرور بعلى في ابتداء السلام إلا في الرثاء، في مثل قول عبدة بن الطيب: عليك السلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن يترحما وفي قول الشماخ: عليك سلام من أمير وباركت ... يد الله في ذاك الأديم الممزق يرثي عثمان بن عفان أو عمر بن الخطاب. روى أبو داوود أن جابر بن سليم سلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: عليك السلام يا رسول الله، فقال له: «إن عليك السلام تحية الموتى، قل، السلام عليك» . والتذييل بقوله: إن الله كان على كل شيء حسيبا لقصد الامتنان بهذه التعليمات النافعة. والحسيب: العليم وهو صفة مشبهة: من حسب- بكسر السين- الذي هو من أفعال القلب، فحول إلى فعل- بضم عينه- لما أريد به أن العلم وصف ذاتي له، وبذلك نقصت تعديته فاقتصر على مفعول واحد، ثم ضمن معنى المحصي فعدي إليه بعلى. ويجوز كونه من أمثلة المبالغة. قيل: الحسيب هنا بمعنى المحاسب، كالأكيل والشريب. فعلى كلامهم يكون التذييل وعدا بالجزاء على قدر فضل رد السلام، أو بالجزاء السيء على ترك الرد من أصله، وقد أكد وصف الله بحسيب بمؤكدين: حرف (إن) وفعل (كان) الدال على أن ذلك وصف مقرر أزلي.

التحرير والتنوير · الجزء ٥ · ص ١٤٧

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٥/١٤٧)