سورة النساء › [سورة النساء (4) : الآيات 60 إلى
كانوا يؤمنون بها حقا، لم يكونوا ليتحاكموا إلى الكهان، وشريعة موسى- عليه السلام- تحذر منهم. وقوله يريدون أي يحبون محبة تبعث على فعل المحبوب. والطاغوت هنا هم الأصنام، بدليل قوله: وقد أمروا أن يكفروا به، ولكن فسروه بالكاهن، أو بعظيم اليهود، كما رأيت في سبب نزول الآية، فإذا كان كذلك فهو إطلاق مجازي بتشبيه عظيم الكفر بالصنم المعبود لغلو قومه في تقديسه، وإما لأن الكاهن يترجم عن أقوال الصنم في زعمه، وقد تقدم اشتقاق الطاغوت عند قوله تعالى: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت [النساء: 51] من هذه السورة. وإنما قال ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا أي يحب ذلك ويحسنه لهم، لأنه ألقى في نفوسهم الدعاء إلى تحكيم الكهان والانصراف عن حكم الرسول، أو المعنى: يريد أن يضلهم في المستقبل بسبب فعلتهم هذه لولا أن أيقظهم الله وتابوا مما صنعوا. والضلال البعيد هو الكفر، ووصفه بالبعيد مجاز في شدة الضلال بتنزيله منزلة جنس ذي مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة، قال الشاعر: ضيعت حزمي في إبعادي الأملا وقوله وإذا قيل لهم تعالوا الآية أي إذا قيل لهم احضروا أو ايتوا. فإن (تعال) كلمة تدل على الأمر بالحضور والإقبال، فمفادها مفاد حرف النداء إلا أنها لا تنبيه فيها. وقد اختلف أئمة العربية في أنه فعل أو اسم فعل، والأصح أنه فعل لأنه مشتق من مادة العلو، ولذلك قال الجوهري في «الصحاح» «والتعالي الارتفاع» ، تقول منه، إذا أمرت: «تعال يا رجل» ، ومثله في «القاموس» ، ولأنه تتصل به ضمائر الرفع، وهو فعل مبني على الفتح على غير سنة فعل الأمر، فذلك البناء هو الذي حدا فريقا من أهل العربية على القول بأنه اسم فعل، وليس ذلك القول ببعيد، ولم يرد عن العرب غير فتح اللام، فلذلك كان كسر اللام في قول أبي فراس: أيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا ... تعالي أقاسمك الهموم تعالي