سورة النساء › سورة النساء (4) : الآيات 41 إلى 42
السالفة، ورأوا عاقبة كذب المرسل إليهم حتى احتيج إلى إشهاد رسلهم، علموا أن النوبة مفضية إليهم، وخامرهم أن يكتموا الله أمرهم إذا سألهم الله، ولم تساعدهم نفوسهم على الاعتراف بالصدق، لما رأوا من عواقب ثبوت الكفر، من شدة هلعهم، فوقعوا بين المقتضي والمانع، فتمنوا أن يخفوا ولا يظهروا حتى لا يسألوا فلا يضطروا إلى الاعتراف الموبق ولا إلى الكتمان المهلك. [43] يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوا غفورا (43) يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون. هذه الآية استئناف لبيان حكمين يتعلقان بالصلاة، دعا إلى نزولها عقب الآيات الماضية أنه آن الأوان لتشريع هذا الحكم في الخمر حينئذ، وإلى قرنه بحكم مقرر يتعلق بالصلاة أيضا. ويظهر أن سبب نزولها طرأ في أثناء نزول الآيات التي قبلها والتي بعدها، فوقعت في موقع وقت نزولها وجاءت كالمعترضة بين تلك الآيات. تضمنت حكما أول يتعلق بالصلاة ابتداء، وهو مقصود في ذاته أيضا بحسب الغاية، وهو قوله: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى، ذلك أن الخمر كانت حلالا لم يحرمها الله تعالى، فبقيت على الإباحة الأصلية، وفي المسلمين من يشربها. ونزل قوله تعالى: يسئلونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس [البقرة: 219] في أول مدة الهجرة فقال فريق من المسلمين: نحن نشربها لمنافعها لا لإثمها، وقد علموا أن المراد من الإثم الحرج والمضرة والمفسدة، وتلك الآية كانت إيذانا لهم بأن الخمر يوشك أن تكون حراما لأن ما يشتمل على الإثم متصف بوصف مناسب للتحريم، ولكن الله أبقى إباحتها رحمة لهم في معتادهم، مع تهيئة النفوس إلى قبول تحريمها، فحدث بعد ثلاث سنين ما رواه الترمذي عن علي بن أبي طالب قال: صنع لنا عبد الرحمن بن عوف طعاما فدعانا وسقانا خمرا وحضرت الصلاة فقدموني فقرأت: قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون ونحن نعبد ما تعبدون، فأنزل الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى . قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.