سورة النساء › سورة النساء (4) : الآيات 17 إلى 18
والذي يظهر أنهما قيدان ذكرا للتنبيه على أن شأن المسلم أن يكون عمله جاريا على اعتبار مفهوم القيدين وليس مفهوماهما بشرطين لقبول التوبة، وأن قوله تعالى: وليست التوبة للذين يعملون السيئات إلى وهم كفار قسيم لمضمون قوله: إنما التوبة على الله إلخ، ولا واسطة بين هذين القسمين. وقد اختلف علماء الكلام في قبول التوبة هل هو قطعي أو ظني فيها لتفرع أقوالهم فيها على أقوالهم في مسألة وجوب الصلاح والأصلح لله تعالى ووجوب العدل. فأما المعتزلة فقالوا: التوبة الصادقة مقبولة قطعا بدليل العقل، وأحسب أن ذلك ينحون به إلى أن التائب قد أصلح حاله، ورغب في اللحاق بأهل الخير، فلو لم يقبل الله منه ذلك لكان إبقاء له في الضلال والعذاب، وهو منزه عنه تعالى على أصولهم، وهذا إن أرادوه كان سفسطة لأن النظر هنا في العفو عن عقاب استحقه التائب من قبل توبته لا في ما سيأتي به بعد التوبة. وأما علماء السنة فافترقوا فرقتين: فذهب جماعة إلى أن قبول التوبة مقطوع به لأدلة سمعية، هي وإن كانت ظواهر، غير أن كثرتها أفادت القطع (كإفادة المتواتر القطع مع أن كل خبر من آحاد المخبرين به لا يفيد إلا الظن، فاجتماعها هو الذي فاد القطع، وفي تشبيه ذلك بالتواتر نظر) ، وإلى هذا ذهب الأشعري، والغزالي والرازي، وابن عطية ووالده أبو بكر ابن عطية، وذهب جماعة إلى أن القبول ظني لا قطعي، وهو قول أبي بكر الباقلاني، وإمام الحرمين، والمازري والتفتازاني، وشرف الدين الفهري وابن الفرس في أحكام القرآن بناء على أن كثرة الظواهر لا تفيد اليقين، وهذا الذي ينبغي اعتماده نظرا. غير أن قبول التوبة ليس من مسائل أصول الدين فلما ذا نطلب في إثباته الدليل القطعي. والذي أراه أنهم لما ذكروا القبول ذكروه على إجماله، فكان اختلافهم اختلافا في حالة، فالقبول يطلق ويراد به معنى رضي الله عن التائب، وإثباته في زمرة المتقين الصالحين، وكأن هذا هو الذي نظر إليه المعتزلة لما قالوا بأن قبولها قطعي عقلا. وفي كونه قطعيا، وكونه عقلا، نظر واضح، ويدل لذلك أنهم قالوا: إن التوبة