البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النساء › [سورة النساء (4) : آية

ويتقين انحراف الأزواج، فيتخذن رضى أوليائهن عدة لهن من حوادث الدهر، فلما أمرهم الله أن يؤتوا اليتامى أموالهم، أمر عقبه بأمرهم بأن يجعلوا للرجال والنساء نصيبا مما ترك الوالدان والأقربون. فإيتاء مال اليتيم تحقيق لإيصال نصيبه مما ترك له الوالدان والأقربون، وتوريث القرابة إثبات لنصيبهم مما ترك الوالدان والأقربون، وذكر النساء هناك تمهيدا لشرع الميراث، وقد تأيد ذلك بقوله: وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى [النساء: 8] فإن ذلك يناسب الميراث، ولا يناسب إيتاء أموال اليتامى. ولا جرم أن من أهم شرائع الإسلام شرع الميراث، فقد كان العرب في الجاهلية يجعلون أموالهم بالوصية لعظماء القبائل ومن تلحقهم بالانتساب إليهم حسن الأحدوثة، وتجمعهم بهم صلات الحلف أو الاعتزاز والود، وكانوا إذا لم يوصوا أو تركوا بعض مالهم بلا وصية يصرف لأبناء الميت الذكور، فإن لم يكن له ذكور فقد حكي أنهم يصرفونه إلى عصبته من أخوة وأبناء عم، ولا تعطى بناته شيئا، أما الزوجات فكن موروثات لا وارثات. وكانوا في الجاهلية لا يورثون بالبنوة إلا إذا كان الأبناء ذكورا، فلا ميراث للنساء لأنهم كانوا يقولون إنما يرث أموالنا من طاعن بالرمح، وضرب بالسيف. فإن لم تكن الأبناء الذكور ورث أقرب العصبة: الأب ثم الأخ ثم العم وهكذا، وكانوا يورثون بالتبني وهو أن يتخذ الرجل ابن غيره ابنا له فتنعقد بين المتبني جميع أحكام الأبوة. ويورثون أيضا بالحلف وهو أن يرغب رجلان في الخلة بينهما فيتعاقدا على أن دمهما واحد ويتوارثا، فلما جاء الإسلام لم يقع في مكة تغيير لأحكام الميراث بين المسلمين لتعذر تنفيذ ما يخالف أحكام سكانها، ثم لما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبقي معظم أقارب المهاجرين المشركون بمكة صار التوريث: بالهجرة، فالمهاجر يرث المهاجر، وبالحلف، وبالمعاقدة، وبالأخوة التي آخاها الرسول عليه الصلاة والسلام بين المهاجرين والأنصار، ونزل في ذلك قوله تعالى: ولكل

التحرير والتنوير · الجزء ٤ · ص ٢٤٨

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٢٤٨)