البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة النساء › [سورة النساء (4) : آية

البلوغ. ومن طلب الرجل الزواج عند بلوغه، وبلوغ صلاحية الزواج تختلف باختلاف البلاد في الحرارة والبرودة، وباختلاف أمزجة أهل البلد الواحد في القوة والضعف، والمزاج الدموي والمزاج الصفراوي، فلذلك أحاله القرآن على بلوغ أمد النكاح، والغالب في بلوغ البنت أنه أسبق من بلوغ الذكر، فإن تخلفت عن وقت مظنتها فقال الجمهور: يستدل بالسن الذي لا يتخلف عنه أقصى البلوغ عادة، فقال مالك، في رواية ابن القاسم عنه: هو ثمان عشرة سنة للذكور والإناث، وروي مثله عن أبي حنيفة في الذكور، وقال: في الجاري سبع عشرة سنة، وروى غير ابن القاسم عن مالك أنه سبع عشرة سنة. والمشهور عن أبي حنيفة: أنه تسع عشرة سنة للذكور وسبع عشرة للبنات، وقال الجمهور: خمس عشرة سنة. قاله القاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله بن عمر، وإسحاق، والشافعي، وأحمد، والأوزاعي، وابن الماجشون، وبه قال أصبغ، وابن وهب، من أصحاب مالك، واختاره الأبهري من المالكية، وتمسكوا بحديث ابن عمر أنه عرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر وهو ابن أربع عشرة سنة فلم يجزه، وعرضه يوم أحد وهو ابن خمس عشرة فأجازه. ولا حجة فيه إذ ليس يلزم أن يكون بلوغ عبد الله بن عمر هو معيار بلوغ عموم المسلمين، فصادف أن رآه النبيء صلى الله عليه وسلم وعليه ملامح الرجال، فأجازه، وليس ذكر السن في كلام ابن عمر إيماء إلى ضبط الإجازة. وقد غفل عن هذا ابن العربي في أحكام القرآن، فتعجب من ترك هؤلاء الأئمة تحديد سن البلوغ بخمس عشرة سنة، والعجب منه أشد من عجبه منهم، فإن قضية ابن عمر قضية عين، وخلاف العلماء في قضايا الأعيان معلوم، واستدل الشافعية بما روي أن النبيء صلى الله عليه وسلم قال: إذا استكمل الولد خمس عشرة سنة كتب ما له وما عليه، وأقيمت عليه الحدود . وهو حديث ضعيف لا ينبغي الاستدلال به. ووقت الابتلاء يكون بعد التمييز لا محالة، وقبل البلوغ: قاله ابن المواز عن مالك، ولعل وجهه أن الابتلاء قبل البلوغ فيه تعريض بالمال للإضاعة لأن عقل اليتيم غير كامل، وقال البغداديون من المالكية: الابتلاء قبل البلوغ. وعبر عن استكمال

التحرير والتنوير · الجزء ٤ · ص ٢٣٩

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٢٣٩)