البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة آل عمران › [سورة آل عمران (3) : آية

بكر في قتال أهل الردة، وتشاور الصحابة في أمر الخليفة بعد وفاة النبيء صلى الله عليه وسلم، وجعل عمر- رضي الله عنه- الأمر شورى بعده في ستة عينهم، وجعل مراقبة الشورى لخمسين من الأنصار، وكان عمر يكتب لعماله يأمرهم بالتشاور، ويتمثل لهم في كتابه بقول الشاعر (لم أقف على اسمه) : خليلي ليس الرأي في صدر واحد ... أشيرا علي بالذي تريان هذا والشورى مما جبل لله عليه الإنسان في فطرته السليمة أي فطره على محبة الصلاح وتطلب النجاح في المساعي، ولذلك قرن الله تعالى خلق أصل البشر بالتشاور في شأنه إذ قال للملائكة: إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30] ، إذ قد غني الله عن إعانة المخلوقات في الرأي ولكنه عرض على الملائكة مراده ليكون التشاور سنة في البشر ضرورة أنه مقترن بتكوينه، فإن مقارنة الشيء للشيء في أصل التكوين يوجب إلفه وتعارفه، ولما كانت الشورى معنى من المعاني لا ذات لها في الوجود جعل الله إلفها للبشر بطريقة المقارنة في وقت التكوين. ولم تزل الشورى في أطوار التاريخ رائجة في البشر فقد استشار فرعون في شأن موسى- عليه السلام- فيما حكى الله عنه بقوله: فماذا تأمرون [الأعراف: 110] . واستشارت بلقيس في شأن سليمان- عليه السلام- فيما حكى الله عنها بقوله: قالت يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنت قاطعة أمرا حتى تشهدون وإنما يلهي الناس عنها حب الاستبداد، وكراهية سماع ما يخالف الهوى، وذلك من انحراف الطبائع وليس من أصل الفطرة، ولذلك يهرع المستبد إلى الشورى عند المضائق. قال ابن عبد البر في بهجة المجالس: الشورى محمودة عند عامة العلماء ولا أعلم أحدا رضي الاستبداد إلا رجل مفتون مخادع لمن يطلب عنده فائدة، أو رجل فاتك يحاول حين الغفلة، وكلا الرجلين فاسق. ومثل أولهما قول عمر بن أبي ربيعة: واستبدت مرة واحدة ... إنما العاجز من لا يستبد ومثل ثانيهما قول سعد بن ناشب:

التحرير والتنوير · الجزء ٤ · ص ١٥٠

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/١٥٠)