البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة آل عمران › [سورة آل عمران (3) : الآيات 146 إلى

وكرم. والضعف- بضم الضاد وفتحها- ضد القوة في البدن، وهما هنا مجازان، فالأول أقرب إلى خور العزيمة، ودبيب اليأس في النفوس والفكر، والثاني أقرب إلى الاستسلام والفشل في المقاومة. وأما الاستكانة فهي الخضوع والمذلة للعدو. ومن اللطائف ترتيبها في الذكر على حسب ترتيبها في الحصول: فإنه إذا خارت العزيمة فشلت الأعضاء، وجاء الاستسلام، فتبعته المذلة والخضوع للعدو. واعلموا أنه إذا كان هذا شأن أتباع الأنبياء، وكانت النبوءة هديا وتعليما، فلا بدع أن يكون هذا شأن أهل العلم، وأتباع الحق، أن لا يوهنهم، ولا يضعفهم، ولا يخضعهم، مقاومة مقاوم، ولا أذى حاسد، أو جاهل، وفي الحديث الصحيح، في «البخاري» : أن خبابا قال للنبيء صلى الله عليه وسلم: «لقد لقينا من المشركين شدة ألا تدعو الله» فقعد وهو محمر وجهه فقال: «لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه» الحديث. وقوله تعالى: وما كان قولهم إلا أن قالوا ربنا اغفر لنا ذنوبنا الآية عطف على فما وهنوا لأنه لما وصفهم برباطة الجأش، وثبات القلب، وصفهم بعد ذلك بما يدل على الثبات من أقوال اللسان التي تجري عليه عند الاضطراب والجزع، أي أن ما أصابهم لم يخالجهم بسببه تردد في صدق وعد الله، ولا بدر منهم تذمر، بل علموا أن ذلك لحكمة يعلمها سبحانه، أو لعله كان جزاء على تقصير منهم في القيام بواجب نصر دينه، أو في الوفاء بأمانة التكليف، فلذلك ابتهلوا إليه عند نزول المصيبة بقولهم: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا خشية أن يكون ما أصابهم جزاء على ما فرط منهم، ثم سألوه النصر وأسبابه ثانيا فقالوا: وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين فلم يصدهم ما لحقهم من الهزيمة عن رجاء النصر، وفي «الموطأ» ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل يقول: دعوت فلم يستجب لي» فقصر قولهم في تلك الحالة التي يندر

التحرير والتنوير · الجزء ٤ · ص ١١٩

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/١١٩)