البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة آل عمران › سورة آل عمران (3) : الآيات 133 إلى 134

والمسارعة، على التقادير كلها تتعلق بأسباب المغفرة وأسباب دخول الجنة، فتعليقها بذات المغفرة والجنة من تعليق الأحكام بالذوات على إرادة أحوالها عند ظهور عدم الفائدة في التعلق بالذات. وجيء بصيغة المفاعلة، مجردة عن معنى حصول الفعل من جانبين، قصد المبالغة في طلب الإسراع، والعرب تأتي بما يدل في الوضع على تكرر الفعل وهم يريدون التأكيد والمبالغة دون التكرير، ونظيره التثنية في قولهم: لبيك وسعديك، وقوله تعالى: ثم ارجع البصر كرتين [الملك: 4] . وتنكير (مغفرة) ووصلها بقوله: من ربكم مع تأتي الإضافة بأن يقال إلى مغفرة ربكم، لقصد الدلالة على التعظيم، ووصف الجنة بأن عرضها السماوات والأرض على طريقة التشبيه البليغ، بدليل التصريح بحرف التشبيه في نظيرتها في آية سورة الحديد. والعرض في كلام العرب يطلق على ما يقابل الطول، وليس هو المراد هنا، ويطلق على الاتساع لأن الشيء العريض هو الواسع في العرف بخلاف الطويل غير العريض فهو ضيق، وهذا كقول العديل: ودون يد الحجاج من أن تنالني ... بساط بأيدي الناعجات عريض وذكر السماوات والأرض جار على طريقة العرب في تمثيل شدة الاتساع. وليس المراد حقيقة عرض السماوات والأرض ليوافق قول الجمهور من علمائنا بأن الجنة مخلوقة الآن، وأنها في السماء، وقيل: هو عرضها حقيقة، وهي مخلوقة الآن لكنها أكبر من السماوات وهي فوق السماوات تحت العرش، وقد روي: العرش سقف الجنة . وأما من قال: إن الجنة لم تخلق الآن وستخلق يوم القيامة، وهو قول المعتزلة وبعض أهل السنة منهم منذر بن سعيد البلوطي الأندلسي الظاهري، فيجوز عندهم أن تكون كعرض السماوات والأرض بأن تخلق في سعة الفضاء الذي كان يملؤه السماوات والأرض أو في سعة فضاء أعظم من ذلك. وأدلة الكتاب والسنة ظاهرة في أن الجنة مخلوقة، وفي حديث رؤيا رآها النبيء صلى الله عليه وسلم، وهو الحديث الطويل الذي

التحرير والتنوير · الجزء ٤ · ص ٨٩

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٨٩)