سورة آل عمران › سورة آل عمران (3) : آية 92
وروى النواس بن سمعان عن النبيء صلى الله عليه وسلم أنه قال: «البر حسن الخلق والإثم ما حاك في النفس وكرهت أن يطلع عليه الناس» رواه مسلم . ومقابلة البر بالإثم تدل على أن البر ضد الإثم. وتقدم عند قوله تعالى: ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب [البقرة: 177] . وقد جعل الإنفاق من نفس المال المحب غاية لانتفاء نوال البر، ومقتضى الغاية أن نوال البر لا يحصل بدونها، وهو مشعر بأن قبل الإنفاق مسافات معنوية في الطريق الموصلة إلى البر، وتلك هي خصال البر كلها بقيت غير مسلوكة، وأن البر لا يحصل إلا بنهايتها وهو الإنفاق من المحبوب، فظهر ل (حتى) هنا موقع من البلاغة لا يخلفها فيه غيرها: لأنه لو قيل إلا أن تنفقوا مما تحبون، لتوهم السامع أن الإنفاق من المحب وحده يوجب نوال البر، وفاتت الدلالة على المسافات والدرجات التي أشعرت بها (حتى) الغائية. و (تنالوا) مشتق من النوال وهو التحصيل على الشيء المعطى. والتعريف في البر تعريف الجنس: لأن هذا الجنس مركب من أفعال كثيرة منها الإنفاق المخصوص، فبدونه لا تتحقق هذه الحقيقة. والإنفاق: إعطاء المال والقوت والكسوة. وما صدق (ما) في قوله: مما تحبون المال: أي المال النفيس العزيز على النفس، وسوغ هذا الإبهام هنا وجود تنفقوا إذ الإنفاق لا يطلق على غير بذل المال ف (من) للتبعيض لا غير، ومن جوز أن تكون (من) للتبيين فقد سها لأن التبيينية لا بد أن تسبق بلفظ مبهم. والمال المحبوب يختلف باختلاف أحوال المتصدقين، ورغباتهم، وسعة ثرواتهم، والإنفاق منه أي التصدق دليل على سخاء لوجه الله تعالى، وفي ذلك تزكية للنفس من بقية ما فيها من الشح، قال تعالى: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون [الحشر: 9] وفي ذلك صلاح عظيم للأمة إذ تجود أغنياؤها على فقرائها بما تطمح إليه نفوسهم من نفائس الأموال فتشتد بذلك أواصر الأخوة، ويهنأ عيش الجميع.