سورة الفاتحة › سورة الفاتحة (1) : الآيات 1 الى 7 › السادس-
تفسير البسملة، ذكرتها هنا توضيحا ليكون نظركم فيها فسيحا فشدوا بها يدا ولا تتبعوا طرائق قددا. وقد تكلموا على ملحظ تطويل الباء في رسم البسملة بكلام كله غير مقنع، والذي يظهر لي أن الصحابة لما كتبوا المصحف طولوها في سورة النمل للإشارة إلى أنها مبدأ كتاب سليمان فهي من المحكي، فلما جعلوها علامة على فواتح السور نقلوها برسمها، وتطويل الباء فيها صالح لاتخاذه قدوة في ابتداء الغرض الجديد من الكلام بحرف غليظ أو ملون. والكلام على اسم الجلالة ووصفه يأتي في تفسير قوله تعالى: الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم [الفاتحة: 2، 3] . ومناسبة الجمع في البسملة بين علم الجلالة وبين صفتي الرحمن الرحيم، قال البيضاوي إن المسمي إذا قصد الاستعانة بالمعبود الحق الموصوف بأنه مولي النعم كلها جليلها ودقيقها يذكر علم الذات إشارة إلى استحقاقه أن يستعان به بالذات، ثم يذكر وصف الرحمن إشارة إلى أن الاستعانة على الأعمال الصالحة وهي نعم، وذكر الرحيم للوجوه التي سنذكرها في عطف صفة الرحيم على صفة الرحمن. وقال الأستاذ الإمام محمد عبده: إن النصارى كانوا يبتدئون أدعيتهم ونحوها باسم الأب والابن والروح القدس إشارة إلى الأقانيم الثلاثة عندهم، فجاءت فاتحة كتاب الإسلام بالرد عليهم موقظة لهم بأن الإله الواحد وإن تعددت أسماؤه فإنما هو تعدد الأوصاف دون تعدد المسميات، يعني فهو رد عليهم بتغليظ وتبليد. وإذا صح أن فواتح النصارى وأدعيتهم كانت تشتمل على ذلك- إذ الناقل أمين- فهي نكتة لطيفة. وعندي أن البسملة كان ما يرادفها قد جرى على ألسنة الأنبياء من عهد إبراهيم عليه السلام فهي من كلام الحنيفية، فقد حكى الله عن إبراهيم أنه قال لأبيه: يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن [مريم: 45] ، وقال: سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا [مريم: 47] ومعنى الحفي قريب من معنى الرحيم. وحكى عنه قوله: وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم [البقرة: 128] . وورد ذكر مرادفها في كتاب سليمان إلى ملكة سبأ: إنه من سليمان وإنه بسم الله الرحمن الرحيم ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين [النمل: 30، 31] . والمظنون أن سليمان اقتدى في افتتاح كتابه بالبسملة بسنة موروثة من عهد إبراهيم جعلها إبراهيم كلمة باقية في وارثي نبوته، وأن الله أحياء هذه السنة في الإسلام في جملة ما أوحى له من الحنيفية كما قال تعالى: ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل [الحج