البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › سورة البقرة (2) : آية 286

النفس وتطاوعه وذلك تبغيض من الله للناس في الذنوب. واختير الفعل الدال على اختيار النفس للحسنات، إشارة إلى أن الله يسوق إليها الناس بالفطرة، ووقع في «الكشاف» أن فعل المطاوعة لدلالته على الاعتمال، وكان الشر مشتهى للنفس، فهي تجد تحصيله، فعبر عن فعلها ذلك بالاكتساب. والمراد بما اكتسبت الشرور، فمن أجل ذلك ظن بعض المفسرين أن الكسب هو اجتناء الخير، والاكتساب هو اجتناء الشر، وهو خلاف التحقيق ففي القرآن ولا تكسب كل نفس إلا عليها [الأنعام: 164]- ثم قيل للذين ظلموا ذوقوا عذاب الخلد هل تجزون إلا بما كنتم تكسبون [يونس: 52]- وقد قيل: إن اكتسب إذا اجتمع مع كسب خص بالعمل الذي فيه تكلف. لكن لم يرد التعبير باكتسبت في جانب فعل الخير. وفي هذه الآية مأخذ حسن لأبي الحسن الأشعري في تسميته استطاعة العبد كسبا واكتسابا فإن الله وصف نفسه بالقدرة. ولم يصف العباد بالقدرة، ولا أسند إليهم فعل قدر وإنما أسند إليهم الكسب، وهو قول يجمع بين المتعارضات ويفي بتحقيق إضافة الأفعال إلى العباد، مع الأدب في عدم إثبات صفة القدرة للعباد، وقد قيل: إن أول من استعمل كلمة الكسب هو الحسين بن محمد النجار، رأس الفرقة النجارية من الجبرية، كان معاصرا للنظام في القرن الثالث، ولكن اشتهر بها أبو الحسن الأشعري حتى قال الطلبة في وصف الأمر الخفي: «أدق من كسب الأشعري» . وتعريف الكسب، عند الأشعري: هو حالة للعبد يقارنها خلق الله فعلا متعلقا بها. وعرفه الإمام الرازي بأنه صفة تحصل بقدرة العبد لفعله الحاصل بقدرة الله. وللكسب تعاريف أخر. وحاصل معنى الكسب، وما دعا إلى إثباته: هو أنه لما تقرر أن الله قادر على جميع الكائنات الخارجة عن اختيار العبد، وجب أن يقرر عموم قدرته على كل شيء لئلا تكون قدرة الله غير متسلطة على بعض الكائنات، إعمالا للأدلة الدالة على أن الله على كل شيء قدير، وأنه خالق كل شيء، وليس لعموم هذه الأدلة دليل يخصصه، فوجب إعمال هذا العموم. ثم إنه لما لم يجز أن يدعى كون العبد مجبورا على أفعاله، للفرق الضروري بين الأفعال الاضطرارية، كحركة المرتعش، والأفعال الاختيارية،

التحرير والتنوير · الجزء ٣ · ص ١٣٨

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/١٣٨)