سورة البقرة › [سورة البقرة (2) : آية
وعطف قوله: وإن تبدوا ما في أنفسكم بالواو دون الفاء للدلالة على أن الحكم الذي تضمنه مقصود بالذات، وأن ما قبله كالتمهيد له. ويجوز أن يكون قوله: وإن تبدوا عطفا على قوله: والله بما تعملون عليم [البقرة: 283] ويكون قوله: لله ما في السماوات وما في الأرض اعتراضا بينهما. وإبداء ما في النفس: إظهاره، وهو إعلانه بالقول، فيما سبيله القول، وبالعمل فيما يترتب عليه عمل وإخفاؤه بخلاف ذلك، وعطف أو تخفوه للترقي في الحساب عليه، فقد جاء على مقتضى الظاهر في عطف الأقوى على الأضعف، وفي الغرض المسوق له الكلام في سياق الإثبات. وما في النفي يعم الخير والشر. والمحاسبة مشتقة من الحسبان وهو العد، فمعنى يحاسبكم في أصل اللغة: يعده عليكم، إلا أنه شاع إطلاقه على لازم المعنى وهو المؤاخذة والمجازاة كما حكى الله تعالى: [الشعراء: 113] وشاع هذا في اصطلاح الشرع، ويوضحه هنا قوله: فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. وقد أجمل الله تعالى هنا الأحوال المغفورة وغير المغفورة: ليكون المؤمنون بين الخوف والرجاء، فلا يقصروا في اتباع الخيرات النفيسة والعملية، إلا أنه أثبت غفرانا وتعذيبا بوجه الإجمال على كل مما نبديه وما نخفيه. وللعلماء في معنى هذه الآية، والجمع بينها وبين قوله صلى الله عليه وسلم: «من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة» . وقوله: «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثتها به أنفسها» وأحسن كلام فيه ما يأتلف من كلامي المازري وعياض، في شرحيهما «لصحيح مسلم» : وهو- مع زيادة بيان- أن ما يخطر في النفس إن كان مجرد خاطر وتردد من غير عزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به، إذ لا طاقة للمكلف بصرفه عنه، وهو مورد حديث التجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها، وإن كان قد جاش في النفس عزم، فإما أن يكون من الخواطر التي تترتب عليها أفعال بدنية أو لا، فإن كان من الخواطر التي لا تترتب عليها أفعال: مثل الإيمان، والكفر، والحسد، فلا خلاف في المؤاخذة به لأن مما يدخل في طوق المكلف أن يصرفه عن نفسه، وإن كان من الخواطر التي تترتب عليها آثار في الخارج، فإن حصلت الآثار فقد خرج من أحوال الخواطر إلى الأفعال كمن يعزم على السرقة