البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › [سورة البقرة (2) : آية

واعلم أن قوله تعالى: ولا تكتموا الشهادة نهي، وأن مقتضى النهي إفادة التكرار عند جمهور علماء الأصول: أي تكرار الانكفاف عن فعل المنهي في أوقات عروض فعله، ولولا إفادته التكرار لما تحققت معصية، وأن التكرار الذي يقتضيه النهي تكرار يستغرق الأزمنة التي يعرض فيها داع لفعل المنهي عنه، فلذلك كان حقا على من تحمل شهادة بحق ألا يكتمه عند عروض إعلانه: بأن يبلغه إلى من ينتفع به، أو يقضي به، كلما ظهر الداعي إلى الاستظهار به، أو قبل ذلك إذا خشي الشاهد تلاشي ما في علمه: بغيبة أو طرو نسيان، أو عروض موت، بحسب ما يتوقع الشاهد أنه حافظ للحق الذي في علمه، على مقدار طاقته واجتهاده. وإذ قد علمت- آنفا- أن الله أنبأنا بأن مراده إقامة الشهادة على وجهها بقوله: وأقوم للشهادة [البقرة: 282] ، وأنه حرض الشاهد على الحضور للإشهاد إذا طلب بقوله: ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا [البقرة: 282] فعلم من ذلك كله الاهتمام بإظهار الشهادة إظهارا للحق. ويؤيد هذا المعنى ويزيده بيانا: قول النبيء صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» رواه مالك في «الموطأ» ، ورواه عنه مسلم والأربعة. فهذا وجه تفسير الآية تظاهر فيه الأثر والنظر. ولكن روي في «الصحيح» عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «خير أمتي القرن الذي بعثت فيهم ثم الذين يلونهم- قالها ثانية وشك أبو هريرة في الثالثة- ثم يخلف قوم يشهدون قبل أن يستشهدوا» الحديث. وهو مسوق مساق ذم من وصفهم بأنهم يشهدون قبل أن يستشهدوا، وأن ذمهم من أجل تلك الصفة. وقد اختلف العلماء في محمله قال عياض: حمله قوم على ظاهره من ذم من يشهد قبل أن تطلب منه الشهادة، والجمهور على خلافه وأن ذلك غير قادح، وحملوا ما في الحديث على ما إذا شهد كاذبا، وإلا فقد جاء في «الصحيح» : «خير الشهود الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها» . وأقول: روى مسلم عن عمران بن حصين: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن خيركم قرني ثم الذين يلونهم- قالها مرتين أو ثلاثا- ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا يستشهدون» الحديث.

التحرير والتنوير · الجزء ٣ · ص ١٢٦

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/١٢٦)