سورة البقرة › سورة البقرة (2) : آية 282
والثانية حالة كتابة ثالث يتوسط بينهما. فيكتب ما تعاقدا عليه ويشهد عليه شاهدان ويسلمه بيد صاحب الحق إذا كانا لا يحسنان الكتابة أو أحدهما، وهذه غالب أحوال العرب عند نزول الآية. فكانت الأمية بينهم فاشية، وإنما كانت الكتابة في الأنبار والحيرة وبعض جهات اليمن وفيمن يتعلمها قليلا من مكة والمدينة. وقوله: وليكتب بينكم كاتب بالعدل أمر للمتداينين بأن يوسطوا كاتبا يكتب بينهم لأن غالب حالهم جهل الكتابة. فعل الأمر به إلى الكاتب مبالغة في أمر المتعاقدين بالاستكتاب. والعرب تعمد إلى المقصود فتنزله منزلة الوسيلة مبالغة في حصوله كقولهم في الأمر ليكن ولدك مهذبا، وفي النهي لا تنس ما أوصيتك، ولا أعرفنك تفعل كذا. فمتعلق فعل الطلب هو ظرف بينكم وليس هذا أمرا للكاتب، وأما أمر الكاتب فهو قوله: ولا يأب كاتب أن يكتب كما علمه الله فليكتب. وقوله: بالعدل أي بالحق، وليس العدل هنا بمعنى العدالة التي يوصف بها الشاهد فيقال رجل عدل لأن وجود الباء يصرف عن ذلك، ونظيره قوله الآتي: فليملل وليه بالعدل. ولذلك قصر المفسرون قوله: فاكتبوه على أن يكتبه كاتب غير المتداينين لأنه الغالب، ولتعقيبه بقوله: وليكتب بينكم كاتب بالعدل، فإنه كالبيان لكيفية فاكتبوه، على أن كتابة المتعاقدين إن كانا يحسنانها تؤخذ بلحن الخطاب أو فحواه. ولذلك كانت الآية حجة عند جمهور العلماء لصحة الاحتجاج بالخط، فإن استكتاب الكاتب إنما ينفع بقراءة خطه. وقوله: ولا يأب كاتب أن يكتب نهي لمن تطلب منه الكتابة بين المتداينين عن الامتناع منها إذا دعي إليها، فهذا حكم آخر وليس تأكيدا لقوله: وليكتب بينكم كاتب بالعدل لما علمت آنفا من كون ذلك حكما موجها للمتداينين. وهذا النهي قد اختلف في مقتضاه فقيل نهي تحريم، فالذي يدعى لأن يكتب بين المتداينين يحرم عليه الامتناع. وعليه فالإجابة للكتابة فرض عين، وهو قول الربيع ومجاهد وعطاء