البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › [سورة البقرة (2) : آية

تعتري الجسم مثل فيضان المرة عند الأطباء المتقدمين وتشنج المجموع العصبي عند المتأخرين، إلا أنه يجوز عندنا أن تكون هاته العلل كلها تنشأ في الأصل من توجهات شيطانية، فإن عوالم المجردات- كالأرواح- لم تنكشف أسرارها لنا حتى الآن ولعل لها ارتباطات شعاعية هي مصادر الكون والفساد. وقوله: ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا الإشارة إلى كما يقوم لأن ما مصدرية، والباء سببية. والمحكي عنهم بقوله: قالوا إنما البيع مثل الربا، إن كان قولا لسانيا فالمراد به قول بعضهم أو قول دعاتهم وهم المنافقون بالمدينة، ظنوا بسوء فهمهم أن تحريم الربا اضطراب في حين تحليل البيع، لقصد أن يفتنوا المسلمين في صحة أحكام شريعتهم إذ يتعذر أن يكون كل من أكل الربا قال هذا الكلام، وإن كان قولا حاليا بحيث يقوله كل من يأكل الربا لو سأله سائل عن وجه تعاطيه الربا، فهو استعارة. ويجوز أن يكون قالوا مجازا لأن اعتقادهم مساواة البيع للربا يستلزم أن يقوله قائل، فأطلق القول وأريد لازمه، وهو الاعتقاد به. وقولهم: إنما البيع مثل الربا قصر إضافي للرد على من زعم تخالف حكمهما فحرم الربا وأحل البيع، ولما صرح فيه بلفظ مثل ساغ أن يقال البيع مثل الربا كما يسوغ أن يقال الربا مثل البيع، ولا يقال: إن الظاهر أن يقولوا إنما الربا مثل البيع لأنه هو الذي قصد إلحاقه به، كما في سؤال الكشاف وبنى عليه جعل الكلام من قبيل المبالغة لأنا نقول: ليسوا هم بصدد إلحاق الفروع بالأصول على طريقة القياس بل هم كانوا يتعاطون الربا والبيع، فهما في الخطور بأذهانهم سواء، غير أنهم لما سمعوا بتحريم الربا وبقاء البيع على الإباحة سبق البيع حينئذ إلى أذهانهم فأحضروه ليثبتوا به إباحة الربا، أو أنهم جعلوا البيع هو الأصل تعريضا بالإسلام في تحريمه الربا على الطريقة المسماة في الأصول بقياس العكس (1) لأن قياس العكس إنما يلتجأ إليه عند كفاح المناظرة لا في وقت استنباط المجتهد في خاصة نفسه.

التحرير والتنوير · الجزء ٣ · ص ٨٣

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/٨٣)