سورة البقرة › [سورة البقرة (2) : آية
شماله ما أنفقت يمينه» ، (يعني مع شدة القرب بين اليمين والشمال لأن حساب الدراهم ومناولة الأشياء بتعاونهما، فلو كانت الشمال من ذوات العلم لما أطلعت على ما أنفقته اليمين) . وقد فضل الله في هذه الآية صدقة السر على صدقة العلانية على الإطلاق، فإن حملت الصدقات على العموم- كما هو الظاهر- إجراء للفظ الصدقات مجرى لفظ الإنفاق في الآي السابقة واللاحقة- كان إخفاء صدقة الفرض والنفل أفضل، وهو قول جمهور العلماء، وعن ألكيا الطبري أن هذا أحد قول الشافعي. وعن المهدوي: كان الإخفاء أفضل فيهما في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ساءت ظنون الناس بالناس فاستحسن العلماء إظهار صدقة الفرض، قال ابن عطية: وهذا مخالف للآثار أن إخفاء الصدقة أفضل. فيكون عموم الصدقات في الآية مخصوصا بصدقة التطوع، ومخصص العموم الإجماع، وحكى ابن العربي الإجماع عليه. وإن أريد بالصدقات في الآية غير الزكاة كان المراد بها أخص من الإنفاق المذكور في الآي قبلها وبعدها، وكان تفضيل الإخفاء مختصا بالصدقات المندوبة. وقال ابن عباس والحسن: إظهار الزكاة أفضل، وإخفاء صدقة التطوع أفضل من إظهارها وهو قول الشافعي. وقوله: وتؤتوها الفقراء، توقف المفسرون في حكمة ذكره، مع العلم بأن الصدقة لا تكون إلا للفقراء، وأن الصدقة المبداة أيضا تعطى للفقراء. فقال العصام: «كأن نكتة ذكره هنا أن الإبداء لا ينفك عن إيتاء الفقراء لأن الفقير يظهر فيه ويمتاز عن غيره إذ يعلمه الناس بحاله، بخلاف الإخفاء، فاشترط معه إيتاؤها للفقير حثا على الفحص عن حال من يعطيه الصدقة» (أي لأن الحريصين- من غير الفقراء- يستحيون أن يتعرضوا للصدقات الظاهرة ولا يصدهم شيء عن التعرض للصدقات الخفية) . وقال الخفاجي: «لم يذكر الفقراء مع المبداة لأنه أريد بها الزكاة ومصارفها الفقراء وغيرهم، وأما الصدقة المخفاة فهي صدقة التطوع ومصارفها الفقراء فقط» . وهو ضعيف لوجهين: أحدهما أنه لا وجه لقصر الصدقة المبداة على الفريضة ولا قائل به بل الخلاف في أن تفضيل الإخفاء هل يعم الفريضة أولا، الثاني أن الصدقة المتطوع بها لا يمتنع صرفها لغير الفقراء كتجهيز الجيوش.