سورة البقرة › [سورة البقرة (2) : آية
وجملة منه تنفقون حال، والجار والمجرور معمولان للحال قدما عليه للدلالة على الاختصاص، أي لا تقصدوا الخبيث في حال ألا تنفقوا إلا منه، لأن محل النهي أن يخرج الرجل صدقته من خصوص رديء ماله. أما إخراجه من الجيد ومن الرديء فليس بمنهي لا سيما في الزكاة الواجبة لأنه يخرج عن كل ما هو عنده من نوعه. وفي حديث «الموطأ» في البيوع «أن النبيء صلى الله عليه وسلم أرسل عاملا على صدقات خيبر فأتاه بتمر جنيب فقال له: أكل تمر خيبر هكذا قال: لا، ولكني أبيع الصاعين من الجمع بصاع من جنيب (1) . فقال له: بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبا» ، فدل على أن الصدقة تؤخذ من كل نصاب من نوعه، ولكن المنهي عنه أن يخص الصدقة بالأصناف الرديئة. وأما في الحيوان فيؤخذ الوسط لتعذر التنويع غالبا إلا إذا أكثر عدده فلا إشكال في تقدير الظرف هنا. وقرأ الجمهور تيمموا بتاء واحدة خفيفة وصلا وابتداء، أصله تتيمموا، وقرأه البزي عن ابن كثير بتشديد التاء في الوصل على اعتبار الإدغام. وقوله: ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه جملة حالية من ضمير تنفقون ويجوز أن يكون الكلام على ظاهره من الإخبار فتكون جملة الحال تعليلا لنهيهم عن الإنفاق من المال الخبيث شرعا بقياس الإنفاق منه على اكتسابه قياس مساواة أي كما تكرهون كسبه كذلك ينبغي أن تكرهوا إعطاءه. وكأن كراهية كسبه كانت معلومة لديهم متقررة في نفوسهم، ولذلك وقع القياس عليها. ويجوز أن يكون الكلام مستعملا في النهي عن أخذ المال الخبيث، فيكون الكلام منصرفا إلى غرض ثان وهو النهي عن أخذ المال الخبيث والمعنى لا تأخذوه، وعلى كلا الوجهين هو مقتض تحريم أخذ المال المعلومة حرمته على من هو بيده ولا يحله انتقاله إلى غيره. والإغماض إطباق الجفن ويطلق مجازا على لازم ذلك، فيطلق تارة على الهناء والاستراحة لأن من لوازم الإغماض راحة النائم قال الأعشى: عليك مثل الذي صليت فاغتمضي ... جفنا فإن لجنب المرء مضطجعا