البيانابحثاسألالمعاجمالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › سورة البقرة (2) : الآيات 263 إلى 264

ومراعاة الإحسان للذي بطأ به جهده، وهذا المقصد من أشرف المقاصد التشريعية. ولقد كان مقدار الإصابة والخطأ فيه هو ميزان ارتقاء الأمم وتدهورها، ولا تجد شريعة ظهرت ولا دعاة خير دعوا إلا وهم يجعلون لتنويل أفراد الأمة حظا من الأموال التي بين أيدي أهل الثروة وموضعا عظيما من تشريعهم أو دعوتهم، إلا أنهم في ذلك متفاوتون بين مقارب ومقصر أو آمل ومدبر، غير أنك لا تجد شريعة سددت السهم لهذا الغرض. وعرفت كيف تفرق بين المستحب فيه والمفترض. ومثل هذه الشريعة المباركة، فإنها قد تصرفت في نظام الثروة العامة تصرفا عجيبا أقامته على قاعدة توزيع الثروة بين أفراد الأمة، وذلك بكفاية المحتاج من الأمة مؤونة حاجته، على وجوه لا تحرم المكتسب للمال فائدة اكتسابه وانتفاعه به قبل كل أحد. فأول ما ابتدأت به تأمين ثقة المكتسب- بالأمن على ماله- من أن ينتزعه منه منتزع إذ قال تعالى: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [النساء: 29] وقال النبيء صلى الله عليه وسلم: في خطبة حجة الوداع: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا» ، سمع ذلك منه مائة ألف نفس أو يزيدون وتناقلوه في آفاق الإسلام حتى بلغ مبلغ التواتر، فكان من قواعد التشريع العامة قاعدة حفظ الأموال لا يستطيع مسلم إبطالها. وقد أتبعت إعلان هذه الثقة بحفظ الأموال بتفاريع الأحكام المتعلقة بالمعاملات والتوثيقات، كمشروعية الرهن في السلف والتوثق بالإشهاد كما تصرح به الآيات الآتية وما سوى ذلك من نصوص الشريعة تنصيصا واستنباطا. ثم أشارت إلى أن من مقاصدها ألا تبقى الأموال متنقلة في جهة واحدة أو عائلة أو قبيلة من الأمة بل المقصد دورانها بقوله تعالى في آية الفيء: ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم [الحشر: 7] ، فضمير يكون عائد إلى ما أفاء الله باعتبار كونه مالا أي كيلا يكون المال دولة. والدولة ما يتداوله الناس من المال، أي شرعنا صرفه لمن سميناهم دون أن يكون لأهل الجيش حق فيه، لينال الفقراء منه حظوظهم فيصبحوا أغنياء فلا يكون

التحرير والتنوير · الجزء ٣ · ص ٤٥

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/٤٥)