سورة البقرة › [سورة البقرة (2) : آية
فقولهم: ونحن أحق بالملك جملة حالية، والضمير من المتكلمين، وهم قادة بني إسرائيل وجعلوا الجملة حالا للدلالة على أنهم لما ذكروا أحقيتهم بالملك لم يحتاجوا إلى الاستدلال على ذلك لأن هذا الأمر عندهم مسلم معروف، إذ هم قادة وعرفاء، وشاوول رجل من السوقة، فهذا تسجيل منهم بأرجحيتهم عليه، وقوله: ولم يؤت سعة من المال معطوفة على جملة الحال فهي حال ثانية. وهذا إبداء مانع فيه من ولايته الملك في نظرهم، وهو أنه فقير، وشأن الملك أن يكون ذا مال ليكفي نوائب الأمة فينفق المال في العدد والعطاء وإغاثة الملهوف، فكيف يستطيع من ليس بذي مال أن يكون ملكا، وإنما قالوا هذا لقصورهم في معرفة سياسة الأمم ونظام الملك فإنهم رأوا الملوك المجاورين لهم في بذخة وسعة، فظنوا ذلك من شروط الملك. ولذا أجابهم نبيئهم بقوله: إن الله اصطفاه عليكم رادا على قولهم: ونحن أحق بالملك منه فإنهم استندوا إلى اصطفاء الجمهور إياهم فأجابهم بأنه أرجح منهم لأن الله اصطفاه، وبقوله: وزاده بسطة في العلم والجسم رادا عليهم قولهم: ولم يؤت سعة من المال أي زاده عليكم بسطة في العلم والجسم، فأعلمهم نبيئهم أن الصفات المحتاج إليها في سياسة أمر الأمة ترجع إلى أصالة الرأي وقوة البدن لأنه بالرأي يهتدي لمصالح الأمة، لا سيما في وقت المضائق، وعند تعذر الاستشارة أو عند خلاف أهل الشورى وبالقوة يستطيع الثبات في مواقع القتال فيكون بثباته ثبات نفوس الجيش. وقدم النبيء في كلامه العلم على القوة لأن وقعه أعظم، قال أبو الطيب: الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أول وهي المحل الثاني فالعلم المراد هنا، هو علم تدبير الحرب وسياسة الأمة، وقيل: هو علم النبوءة، ولا يصح ذلك لأن طالوت لم يكن معدودا من أنبيائهم. ولم يجبهم نبيئهم عن قوله: ولم يؤت سعة من المال اكتفاء بدلالة اقتصاره على قوله: وزاده بسطة في العلم والجسم فإنه ببسطة العلم وبالنصر يتوافر له المال لأن «المال تجلبه الرعية» كما قال أرسطاطاليس، ولأن الملك ولو كان ذا ثروة، فثروته لا تكفي لإقامة أمور المملكة ولهذا لم يكن من شرط ولاة الأمور من الخليفة فما دونه أن يكون ذا سعة، وقد ولي على الأمة أبو بكر وعمر وعلي ولم يكونوا ذوي يسار، وغنى الأمة في بيت مالها ومنه تقوم مصالحها، وأرزاق ولاة أمورها.