البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة البقرة › [سورة البقرة (2) : آية

وحول العرب قمري وكذلك أقره الإسلام. ووصف الحولين بكاملين تأكيد لرفع توهم أن يكون المراد حولا وبعض الثاني لأن إطلاق التثنية والجمع في الأزمان والأسنان، على بعض المدلول، إطلاق شائع عند العرب، فيقولون: هو ابن سنتين ويريدون سنة وبعض الثانية، كما مر في قوله: الحج أشهر معلومات [البقرة: 197] . وقوله: لمن أراد أن يتم الرضاعة، قال في «الكشاف» : «بيان لمن توجه إليه الحكم كقوله: هيت لك [يوسف: 23] ، فلك بيان للمهيت له أي هذا الحكم لمن أراد أن يتم الإرضاع» أي فهو خبر مبتدأ محذوف، كما أشار إليه، بتقدير هذا الحكم لمن أراد. قال التفتازاني: «وقد يصرح بهذا المبتدأ في بعض التراكيب كقوله تعالى: ذلك لمن خشي العنت منكم [النساء: 25] وما صدق (من) هنا من يهمه ذلك: وهو الأب والأم ومن يقوم مقامهما من ولي الرضيع وحاضنه. والمعنى: أن هذا الحكم يستحقه من أراد إتمام الرضاعة، وأباه الآخر، فإن أرادا معا عدم إتمام الرضاعة فذلك معلوم من قوله: فإن أرادا فصالا الآية. وقد جعل الله الرضاع حولين رعيا لكونهما أقصى مدة يحتاج فيها الطفل للرضاع إذا عرض له ما اقتضى زيادة إرضاعه، فأما بعد الحولين فليس في نمائه ما يصلح له الرضاع بعد، ولما كان خلاف الأبوين في مدة الرضاع لا ينشأ إلا عن اختلاف النظر في حاجة مزاج الطفل إلى زيادة الرضاع، جعل الله القول لمن دعا إلى الزيادة، احتياطا لحفظ الطفل. وقد كانت الأمم في عصور قلة التجربة وانعدام الأطباء، لا يهتدون إلى ما يقوم للطفل مقام الرضاع لأنهم كانوا إذا فطموه أعطوه الطعام، فكانت أمزجة بعض الأطفال بحاجة إلى تطويل الرضاع، لعدم القدرة على هضم الطعام وهذه عوارض تختلف. وفي عصرنا أصبح الأطباء يعتاضون لبعض الصبيان بالإرضاع الصناعي، وهم مع ذلك مجمعون على أنه لا أصلح للصبي من لبن أمه، ما لم تكن بها عاهة أو كان اللبن غير مستوف الأجزاء التي بها تمام تغذية أجزاء بدن الطفل، ولأن الإرضاع الصناعي يحتاج إلى فرط حذر في سلامة اللبن من العفونة: في قوامه وإنائه. وبلاد العرب شديدة الحرارة في غالب السنة ولم يكونوا يحسنون حفظ أطعمتهم من التعفن بالمكث، فربما كان فطام الأبناء في العام أو ما يقرب منه يجر مضار للرضعاء،

التحرير والتنوير · الجزء ٢ · ص ٤٣١

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢/٤٣١)