سورة الناس › سورة الناس (114) : الآيات 1 إلى 6
والخناس: الشديد الخنس والكثيره. والمراد أنه صار عادة له. والخنس والخنوس: الاختفاء. والشيطان يلقب ب الخناس لأنه يتصل بعقل الإنسان وعزمه من غير شعور منه فكأنه خنس فيه، وأهل المكر والكيد والتختل خناسون لأنهم يتحينون غفلات الناس ويتسترون بأنواع الحيل لكيلا يشعر الناس بهم. فالتعريف في الخناس على وزان تعريف موصوفه، ولأن خواطر الشر يهم بها صاحبها فيطرق ويتردد ويخاف تبعاتها وتزجره النفس اللوامة، أو يزعه وازع الدين أو الحياء أو خوف العقاب عند الله أو عند الناس ثم تعاوده حتى يطمئن لها ويرتاض بها فيصمم على فعلها فيقترفها، فكأن الشيطان يبدو له ثم يختفي، ثم يبدو ثم يختفي حتى يتمكن من تدليته بغرور. ووصف الوسواس الخناس ب الذي يوسوس في صدور الناس لتقريب تصوير الوسوسة كي يتقيها المرء إذا اعترته لخفائها، وذلك بأن بين أن مكان إلقاء الوسوسة هو صدور الناس وبواطنهم فعبر بها عن الإحساس النفسي كما قال تعالى: ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج: 46] وقال تعالى: إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه [غافر: 56] . وقال النبيء صلى الله عليه وسلم: «الإثم ما حاك في الصدر وتردد في القلب» ، فغاية الوسواس من وسوسته بثها في نفس المغرور والمشبوك في فخه، فوسوسة الشياطين اتصالات جاذبية النفوس نحو داعية الشياطين. وقد قربها النبيء صلى الله عليه وسلم في آثار كثيرة بأنواع من التقريب منها: «أنها كالخراطيم يمدها الشيطان إلى قلب الإنسان» وشبهها مرة بالنفث، ومرة بالإبساس. وفي الحديث: «إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما» . وإطلاق فعل يوسوس على هذا العمل الشيطاني مجاز إذ ليس للشيطان كلام في باطن الإنسان. وأما إطلاقه على تسويل الإنسان لغيره عمل السوء فهو حقيقة. وتعلق المجرور من قوله: في صدور الناس بفعل يوسوس بالنسبة لوسوسة الشيطان تعلق حقيقي، وأما بالنسبة لوسوسة الناس فهو مجاز عقلي لأن وسوسة الناس سبب لوقوع أثرها في الصدور فكان في كل من فعل يوسوس ومتعلقه استعمال اللفظين في الحقيقة والمجاز.