البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة القلم › [سورة عبس (80) : الآيات 24 إلى

ذلك من بديع التكوين سواء رأى ذلك ببصره أم لم يره، ولا يخلو أحد عن علم إجمالي بذلك، فيزيده هذا الوصف علما تفصيليا، وفي جميع تلك الأطوار تمثيل لإحياء الأجساد المستقرة في الأرض، فقد يكون هذا التمثيل في مجرد الهيئة الحاصلة بإحياء الأجساد، وقد يكون تمثيلا في جميع تلك الأطوار بأن تخرج الأجساد من الأرض كخروج النبات بأن يكون بذرها في الأرض ويرسل الله لها قوى لا نعلمها تشابه قوة الماء الذي به تحيا بذور النبات، قال تعالى: والله أنبتكم من الأرض نباتا ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجا [نوح: 17، 18] . وفي «تفسير ابن كثير» عند قوله تعالى: وإذا النفوس زوجت [التكوير: 7] عن ابن [أبي] (1) حاتم بسنده إلى ابن عباس: «يسيل واد من أصل العرش فيما بين الصيحتين فينبت منه كل خلق بلي إنسان أو دابة ولو مر عليهم مار قد عرفهم قبل ذلك لعرفهم قد نبتوا على وجه الأرض، ثم ترسل الأرواح فتزوج الأجساد» اه. وأمور الآخرة لا تتصورها الأفهام بالكنه وإنما يجزم العقل بأنها من الممكنات وهي مطيعة لتعلق القدرة التنجيزي. والإنسان المذكور هنا هو الإنسان المذكور في قوله: قتل الإنسان ما أكفره [عبس: 17] وإنما جيء باسمه الظاهر دون الضمير كما في قوله: من أي شيء خلقه [عبس: 18] ، لأن ذلك قريب من معاده وما هنا ابتداء كلام فعبر فيه بالاسم الظاهر للإيضاح. وأدمج في ذلك منة عليه بالإمداد بالغذاء الذي به إخلاف ما يضمحل من قوته بسبب جهود العقل والتفكير الطبيعية التي لا يشعر بحصولها في داخل المزاج، وبسبب كد الأعمال البدنية والإفرازات، وتلك أسباب لتبخر القوى البدنية فيحتاج المزاج إلى تعويضها وإخلافها وذلك بالطعام والشراب. وإنما تعلق النظر بالطعام مع أن الاستدلال هو بأحوال تكوين الطعام، إجراء للكلام على الإيجاز ويبينه ما في الجمل بعده من قوله: أنا صببنا الماء صبا إلى آخرها. فالتقدير: فلينظر الإنسان إلى خلق طعامه وتهيئة الماء لإنمائه وشق الأرض وإنباته وإلى انتفاعه به وانتفاع مواشيه في بقاء حياتهم.

التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · ص ١٣٠

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/١٣٠)