البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

التفسير

التحرير والتنوير

محمد الطاهر بن عاشور (ت ١٣٩٣هـ)

الدار التونسية للنشر · ١٩٨٤م · نص مشروع OpenITI

سورة القلم › [سورة عبس (80) : الآيات 1 إلى

وهو اقتصار النبيء صلى الله عليه وسلم على الاعتناء بالحرص على تبليغ الدعوة إلى من يرجو منه قبولها مع الذهول عن التأمل فيما يقارن ذلك من تعليم من يرغب في علم الدين ممن آمن، ولما كان صدور ذلك من الله لنبيه صلى الله عليه وسلم لم يشأ الله أن يفاتحه بما يتبادر منه أنه المقصود بالكلام، فوجهه إليه على أسلوب الغيبة ليكون أول ما يقرع سمعه باعثا على أن يترقب المعني من ضمير الغائب فلا يفاجئه العتاب، وهذا تلطف من الله برسوله صلى الله عليه وسلم ليقع العتاب في نفسه مدرجا وذلك أهون وقعا، ونظير هذا قوله: عفا الله عنك لم أذنت لهم [التوبة: 43] . قال عياض: قال عون بن عبد الله والسمرقندي: أخبره الله بالعفو قبل أن يخبره بالذنب حتى سكن قلبه اه. فكذلك توجيه العتاب إليه مسندا إلى ضمير الغائب ثم جيء بضمائر الغيبة فذكر الأعمى تظهر المراد من القصة واتضح المراد من ضمير الغيبة. ثم جيء بضمائر الخطاب على طريقة الالتفات. ويظهر أن النبيء صلى الله عليه وسلم رجا من ذلك المجلس أن يسلموا فيسلم بإسلامهم جمهور قريش أو جميعهم فكان دخول ابن أم مكتوم قطعا لسلك الحديث وجعل يقول للنبيء صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله استدنني، علمني، أرشدني، ويناديه ويكثر النداء والإلحاح فظهرت الكراهية في وجه الرسول صلى الله عليه وسلم لعله لقطعه عليه كلامه وخشيته أن يفترق النفر المجتمعون، وفي رواية الطبري أنه استقرأ النبيء صلى الله عليه وسلم آية من القرآن. وجملة وما يدريك إلخ في موضع الحال. (وما يدريك) مركبة من (ما) الاستفهامية وفعل الدراية المقترن بهمزة التعدية، أي ما يجعلك داريا أي عالما. ومثله: ما أدراك كقوله: وما أدراك ما الحاقة [الحاقة: 3] . ومنه وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون في سورة الأنعام [109] . والاستفهام في هذه التراكيب مراد منه التنبيه على مغفول عنه ثم تقع بعده جملة نحو ما أدراك ما القارعة [القارعة: 3] ونحو قوله هنا: وما يدريك لعله يزكى

التحرير والتنوير · الجزء ٣٠ · ص ١٠٥

الإحالة: (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣٠/١٠٥)