والقول الثاني ان علة الافتقار مجرد الحدوث وان المحدث يفتقر إلى الفاعل حال حدوثه لا حال بقائه وهذا قول طائفة من اهل الكلام المعتزلة وغيرهم وهذا ايضا قول فاسد والقول الثالث ان علة الافتقار هي الامكان والحدوث ولم يجعل احدهما شرطا في الاخر وقد يجعل أحد الشطرين وقد بينا في غير هذا الموضع ان كل واحد من الحدوث والامكان دليل على الافتقار إلى الصانع وان كانا متلازمين فاذا علمنا ان هذا محدث علمنا انه مفتقر إلى من يحدثه واذا علمنا ان هذا ممكن وجوده وممكن عدمه علمنا انه لا يرجح وجوده على عدمه الا بفاعل يجعله موجودا وكونه مفتقرا إلى الفاعل هو من لوازم حقيقته لايحتاج ان يعلل بعلة جعلته مفتقرا بل الفقر لازم لذاته فكل ما سوى الله فقير اليه دائما لايستغني عنه طرفة عين وهذا من معاني اسمه الصمد ف الصمد الذي يحتاج اليه كل شيء وهو مستغن عن كل شيء وكما ان غنى الرب ثبت له لنفسه لا لعلة جعلته غنيا فكذلك فقر المخلوقات وحاجتها اليه ثبت لذواتها لا لعلة جعلتها مفتقرة اليه فمن قال علة الافتقار إلى الفاعل هي الحدوث أو الامكان أو مجموعهما إن اراد ان هذه المعاني جعلت الذات فقيرة لم يصح شئ من ذلك وإن أراد أن هذه المعاني يعلم بها فقر الذات فهو حق فكل منهما مستلزم لفقر الذات وهي مفتقرة اليه حال حدوثها وحال بقائها لا يمكن استغناؤها عنه لا في هذه الحال ولا في هذه الحال وأما تقدير ممكن يقبل أن يكون موجودا ويقبل أن يكون معدوما مع انه واجب الوجود لغيره أزلا وابدا فهذا جمع بين المتناقضين فان ما يجب وجوده أزلا وأبدا لا يقبل العدم أصلا وقول القائل إنه باعتبار ذاته مع قطع النظر
العقيدة
الرد على المنطقيين
ابن تيمية (ت ٧٢٨هـ)
دار المعرفة · بيروت · نص مشروع OpenITI
الرد على المنطقيين · الجزء ١ · ص ٣٤٦
الإحالة: (ابن تيمية، ت ٧٢٨هـ: ١/٣٤٦)