كتاب الوصايا › باب الأوصياء › فصل وللوصي أن يوكل فيما لم تجر به العادة
أن يتولاه بنفسه كما قلنا في الوكيل ولا يجوز أن يوصى إلى غيره لانه يتصرف بالإذن فلم يملك الوصية كالوكيل فإن قال أوصيت إليك فإن مت فقد أوصيت إلى فلان صح لان عمر رضي الله تعالى عنه وصى إلى حفصة فإذا ماتت فإلى ذوي الرأي من أهلها ووصت فاطمة رضي الله عنها إلى علي كرم الله وجهه فإذا مات فإلى ابنيها ولانه علق وصية التالي على شرط فصار كما لو قال وصيت إليك شهرا ثم قال إلى فلان فإن أوصى إليه وأذن له أن يوصي إلى من يرى فقد قال في الوصايا لا يجوز وقال في اختلاف العراقيين يجوز فمن أصحابنا من قال يجوز قولا واحدا لانه ملك الوصية والتصرف في المال فإذا جاز أن ينقل التصرف في المال إلى الوصي جاز أن ينقل الوصية إليه وما قال في الوصايا أراد إذا أطلق الوصية ومنهم من قال فيه قولان أحدهما يجوز لما ذكرناه والثاني لا يجوز لانه يعقد الوصية عن الموصي في حال لا ولاية له فيه وإن وصى إليه وأذن له أن يوصي بعد موته إلى رجل بعينه ففيه وجهان أحدهما يجوز لانه قطع اجتهاده فيه بالتعيين والثاني أنه كالمسألة الأولى لان علة المسألتين واحدة لانه وصية فلا تتم إلا بالقبول كالوصية له وفي وقت القبول وجهان أحدهما يصح القبول في الحال وفي الثاني لانه أذن له في التصرف فصح القبول في الحال وفي الثاني كالوكالة والثاني لا يصح إلا بعد الموت كالقبول في الوصية له وللوصي أن يعزل نفسه متى شاء لانه تصرف بالإذن فجاز لكل واحد منهما فسخه كالوكالة فقال الوصي أنفقت عليك وقال الصبي لم تنفق على فالقول قول الوصي لانه أمين وتتعذر عليه إقامة البينة على النفقة فإن اختلفا في قدر النفقة فقال أنفقت عليك في كل سنة مائة دينار وقال الصبي بل أنفقت علي خمسين دينارا فإن كان ما يدعيه الوصي النفقة بالمعروف فالقول قوله لانه أمين وإن كان أكثر من النفقة بالمعروف فعليه الضمان لانه فرط في الزيادة وإن اختلفا في المدة فقال الوصي أنفقت عشر سنين وقال الصبي خمس سنين ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي سعيد الإصطخري أن القول قول الوصي كما لو اختلفا في قدر النفقة والثانى وهو قول أكثر أصحابنا أن القول قول الصبي لانه اختلاف في مدة ( و ) الأصل عدمها فادعى الوصي أنه دفعه إليه وأنكر الصبي ففيه وجهان أحدهما وهو المنصوص أن القول قول الصبي لانه لم يأتمنه على حفظ المال فلم يقبل قوله عليه كالمودع إذا ادعى دفع الوديعة إلى وارث المودع والملتقط إذا ادعى دفع اللقطة إلى مالكها والثاني أن القول قول الوصي كما قلنا في النفقة بغير إذنه إلا دين يقضى عنه أو صدقة يتصدق بها عنه أو دعاء يدعى له فأما الدين فالدليل عليه ما روي أن امرأة من خثعم سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحج عن أبيها فأذن لها فقالت أينفعه ذلك قال نعم كما لو كان على أبيك دين فقضيته نفعه وأما الصدقة فالدليل عليها ما روى ابن عباس أن رجلا قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم إن أمه توفيت أفينفعها أن أتصدق عنها فقال نعم قال فإن لي مخرفا فأشهدك أني قد تصدقت به عنها وأما الدعاء فالدليل عليه قوله عز وجل والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان فأثنى الله عز وجل عليهم بالدعاء لاخوانهم من الموتى وأما ما سوى ذلك من القرب كقراءة القرآن وغيرها فلا يلحق الميت ثوابها لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له واختلف أصحابنا فيمن مات وعليه كفارة يمين فأعتق عنه فمنهم من قال لا يقع العتق عن الميت بل يكون للمعتق لان العتق غير متحتم على الميت لانه كان يجوز له تركه إلى غيره فلم يقع عنه كما لو تطوع بالعتق عنه في غير الكفارة ومنهم من قال يقع عنه لانه لو أعتق في حياته سقط به الفرض وبالله التوفيق العتق قربة مندوب إليه لما روى أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من أعتق رقبة أعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار حتى فرجه بفرجه ولا يصح إلا من مطلق التصرف في المال لأنه تصرف فيي المال كالبيع والهبة فإن أعتق الموقوف عليه العبد الموقوف لم يصح عتقه لأنه لا يملكه في أحد القولين ويملكه في الثاني إلا أنه يبطل به حق البطن الثاني فلم يصح وإن أعتق المريض عبدا وعليه دين يستغرقه لم يصح العتق في المرض وصية فلم يصح مع الدين وإن أعتق العبد الجاني فعلى ما ذكرناه في العبد المرهون لأنه ثبت لهما عرف الشرع وعرف اللغة والكناية كقوله سيبتك وخليتك وحبلك على غاربك ولا سبيل لي عليك ولا سلطان لي عليك وأنت لله وأنت طالق وما أشبههما لأنها تحتمل العتق فوقع بها العتق مع النية وفي قوله فككت رقبتك وجهان أحدهما أنه صريح لأنه ورد به القرآن قال الله سبحانه فك رقبة والثاني أنه كناية لأنه يستعمل في العتق وغيره وإن قال لأمته أنت علي كظهر أمي ونوى العتق ففيه وجهان أحدهما تعتق لأنه لفظ يوجب تحريم الزوجة فكان كناية في العتق كسائر الطلاق والثاني لا تعتق لأنه لا يزيل الملك فلم يكن كناية في العتق بخلاف الطلاق