كتاب الوصايا › باب الرجوع في الوصية › فصل وإن باعه أو وهبه وأقبض أو أعتقه أو كاتبه
أو أوصى أن يباع أو يوهب ويقبض أو يعتق أو يكاتب فهو رجوع لانه صرفه عن الموصى له وإن عرضه للبيع أو رهنه في دين أو وهبه ولم يقبضه فهو رجوع لان تعريضه لزوال الملك صرف عن الموصى له ومن أصحابنا من قال إنه ليس برجوع لانه لم يزل الملك وليس بشيء وإن وصى بثلث ماله ثم باع ماله لم يكن ذلك رجوعا لان الوصية بثلث المال عند الموت لا بثلث ما باعه فإن وصى بعبد ثم دبره فإن قلنا إن التدبير عتق بصفة كان ذلك رجوعا لانه عرضه لزوال الملك وإن قلنا إنه وصية وقلنا في أحد القولين إن العتق يقدم على سائر الوصايا كان ذلك رجوعا لانه أقوى من الوصية فأبطلها وإن قلنا إن العتق كسائر الوصايا ففيه وجهان أحدهما أنه ليس برجوع فيكون نصفه مدبرا ونصفه موصى به كما لو أوصى به لرجل ثم وصى به لآخر والثاني أنه رجوع لان التدبير أقوى لانه يتنجز من غير قبول والوصية لا تتم إلا بالقبول فقدم التدبير كما يقدم ما تنجز في حياته من التبرعات على الوصية أو علمه صنعة أو ختنه لم يكن ذلك رجوعا لان هذه التصرفات لا تنافي الوصية فإن كانت جارية فوطئها لم يكن ذلك رجوعا لانه استيفاء منفعة فلم يكن رجوعا كالاستخدام وقال أبو بكر بن الحداد المصري إن عزل عنها لم يكن رجوعا وإن لم يعزل عنها كان رجوعا لانه قصد التسري بها لانه جعله على صفة لا يمكن تسليمه فإن وصى بقفيز من صبرة ثم خلط الصبرة بمثلها لم يكن ذلك رجوعا لان الوصية مختلطة بمثلها والذي خلطه به مثله فلم يكن رجوعا فإن خلطه بأجود منه كان رجوعا لانه أحدث فيه بالخلط زيادة لم يرض بتمليكها فإن خلطه بما دونه ففيه وجهان أحدهما وهو قول أبي علي بن أبي هريرة أنه ليس برجوع لانه نقص أحدثه فيه فلم يكن رجوعا كما لو أتلف بعضه والثاني أنه رجوع لانه يتغير بما دونه كما يتغير بما هو أجود منه فإن نقله إلى بلد أبعد من بلد الموصى له ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه لو لم يرد الرجوع لما أبعده عنه والثاني أنه ليس برجوع لانه باق على صفته لانه جعله كالمستهلك وإن وصى بحنطة فطحنها أو بدقيق فعجنه أو بعجين فخبزه كان ذلك رجوعا لانه أزال عنه الاسم ولانه جعله للاستهلاك وإن وصى له بخبز فجعله فتيتا ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه أزال عنه إطلاق اسم الخبز فأشبه إذا ثرده والثاني ليس برجوع لان الاسم باق عليه لانه يقال خبز مدقوق وإن وصى برطب فجعله تمرا ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه أزال عنه اسم الرطب والثاني ليس برجوع لانه أبقى له وأحفظ على الموصى له لانه أزال عنه الاسم وإن أوصى له بقطن فحشى به فراشا ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه جعله للاستهلاك والثاني ليس برجوع لان الاسم باق عليه كان رجوعا لانه أزال عنه الاسم ولانه جعله للاستهلاك وإن وصى له بلحم فطبخه أو شواه كان ذلك رجوعا لانه جعله للأكل وإن قدده ففيه وجهان كما قلنا في الرطب إذا جعله تمرا ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه أزال عنه إطلاق اسم الثوب والساج ولانه جعله للاستعمال والثاني أنه ليس برجوع لان اسم الثوب والساج باق عليه لانه تصرف أزال به الاسم فكان رجوعا كما لو وصى بحنطة فطحنها وإن تهدمت نظرت فإن لم يزل عنها اسم الدار فالوصية باقية فيما بقي وأما ما انفصل عنها فالمنصوص أنه خارج من الوصية لانه انفصل عن الموصى به في حياة الموصى وحكى القاضي أبو القاسم ابن كج رحمه الله وجها آخر أنه للموصى له لانه تناولته الوصية فلم يخرج منها بالانفصال وإن زال عنها اسم الدار ففي الباقي من العرصة وجهان أحدهما أنه تبطل فيه الوصية لانه أزال عنها اسم الدار والثاني لا تبطل لانه لم يوجد من جهته ما يدل على الرجوع لانه لا يراد للبقاء وقد يحصل قبل الموت فلم يكن رجوعا وإن غرسها أو بنى فيها ففيه وجهان أحدهما أنه رجوع لانه جعلها لمنفعة مؤبدة فدل على الرجوع والثاني ليس برجوع لانه استيفاء منفعة فهو كالزراعة فعلى هذا في موضع الأساس وقرار الغراس وجهان أحدهما أنه لا تبطل فيه الوصية كالبياض الذي بينهما فإذا