ولا في عصر الصحابة رضي الله عنهم والتابعين ، فإن قالوا نعم ، فنقول : شارب الخمر هل له أن يمنع من القتل أم لا ؟ فإن قيل لا ، قلنا : فما الفرق بين هذا وبين لابس الحرير إذا منع من الخمر والزاني إذا منع من الكفر ؟ وكما أن الكبيرة فوق الصغيرة فالكبائر أيضا متفاوتة ، فإن قالوا نعم ، وضبطوا ذلك بأن المقدم على شيء لا يمنع من مثله ولا فيما دونه وله أن يمنع مما فوقه ، فهذا الحكم لا مستند له إذ الزنى فوق الشرب ولا يبعد أن يزني ويمنع من الشراب ويمنع منه ، ربما يشرب ويمنع غلمانه وأصحابه من الشرب ، ويقول : ترك ذلك واجب عليكم وعلي والأمر بترك المحرم واجب علي مع الترك فلي أن أتقرب بأحد الواجبين ، ولم يلزمني مع ترك أحدهما ترك الآخر ، فإذن كما يجوز أن يترك الآمر بترك الشرب وهو بتركه يجوز أن يشرب ويأمر بالترك فهما واجبان فلا يلزم بترك أحدهما ترك الآخر . فإن قيل : فيلزم على هذا أمور شنيعة وهو أن يزني الرجل بامرأة مكرها إياها على التمكين ، فإن قال لها في أثناء الزنى عند كشفها وجهها باختيارها لا تكشفي وجهك فاني لست محرما لك ، والكشف لغير المحرم حرام ، وأنت مكرهة على الزنى مختارة في كشف الوجه فأمنعك من هذا ، فلا شك من أن هذه حسبة باردة شنيعة لا يصير إليها عاقل ؛
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ٢٥٠
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢٥٠)