لا يؤثر في نفسه وحل عقد لمبه التهويلات والتخويفات ولا التحقيقات العلمية ولا التخيلات الإقناعية ، والواحد منهم مع كونه جازما في اعتقاده تكون نفسه أطوع لقبول اليقين ، وذلك لأن الإعتقاد على القلب مثل عقدة ليس فيها انشراح وبرد يقين . والعقدة تختلف في شدتها وضعفها فلا ينكر هذا التفاوت منصف وإنما ينكره الذين سمعوا من العلوم والاعتقادات أساميها ولم يدركوا من أنفسهم ذوقها ، ولم يلاحظوا اختلاف أحوالهم وأحوال غيرهم فيها . وأما إذا أطلق بالمعنى الثالث وهو العمل مع التصديق ، فلا يخفى بطرق التفاوت إلى نفس العمل ، وهل يتطرق بسبب المواظبة على العمل تفاوت إلى نفس التصديق ، هذا فيه نظر ، وترك المداهنة في مثل هذا المقام أولى والحق أحق ما قيل . فأقول : إن المواظبة على الطاعات لها تأثير في تأكيد طمأنينة النفس إلى الإعتقاد التقليدي ورسوخه في النفس ، وهذا أمر لا يعرفه إلا من سبر أحوال نفسه وراقبها في وقت المواظبة على الطاعة وفي وقت الفترة ولاحظ تفاوت الحال في باطنه ، فإنه يزداد بسبب المواظبة على العمل أنسة لمعتقداته ، ويتأكد به طمأنينته ، حتى أن المعتقد الذي طالت منه المواظبة على العمل بموجب اعتقاده أعصا نفسا على المحاول تغييره وتشكيكه ممن لم تطل مواظبته ، بل العادات
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ٢٤٧
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢٤٧)