إذ تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن الصحابة رضي الله عنهم بالاستعاذة منه في الأدعية واشتهر قوله عند المرور بقبرين : إنهما ليعذبان ودل عليه قوله تعالى ' وحاق بآل فرعون سوء العذاب النار يعرضون عليها غدوا وعشيا ' الآية ، وهو ممكن ، فيجب التصديق به . ووجه إمكانه ظاهر ، وإنما تنكره المعتزلة من حيث يقولون إنا نرى شخص الميت مشاهدة وهو غير معذب وإن الميت ربما تفترسه السباع وتأكله ، وهذا هوس ؛ أما مشاهدة الشخص فهو مشاهدة لظواهر الجسم والمدرك للعقاب جزء من القلب أو من الباطن كيف كان وليس من ضرورة العذاب ظهور حركة في ظاهر البدن ، بل الناظر إلى ظاهر النائم لا يشاهد ما يدركه النائم من اللذة عند الاحتلام ومن الألم عند تخيل الضرب وغيره ، ولو انتبه النائم وأخبر عن مشاهداته وآلامه ولذاته من لم يجر له عهد بالنوم لبادر إلى الانكار اغترارا بسكون ظاهر جسمه ، كمشاهدة إنكار المعتزلة لعذاب القبر وأما الذي تأكله السباع فغاية ما في الباب أن يكون بطن السبع قبرا ، فاعادة الحياة إلى جزء يدرك العذاب ممكن ، فما كل متألم يدرك الألم من جميع بدنه ، وأما سؤال منكر ونكير فحق ، والتصديق به واجب لورود الشرع به وامكانه ، فإن ذلك لا يستدعي
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ٢٣٦
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢٣٦)