إثبات نبوته بالمعجزة طريقتان : الطريقة الأولى ، التمسك بالقرآن ، فإنا نقول : لا معنى للمعجزة إلا ما يقترن بتحدي النبي عند استشهاده على صدقه على وجه يعجز الخلق عن معارضته ، وتحديه على العرب مع شغفهم بالفصاحة وإغراقهم فيها متواتر ، وعدم المعارضة معلوم ، إذ لو كان لظهر ، فإن أرذل الشعراء لما تحدوا بشعرهم وعورضوا ظهرت المعارضات والمناقضات الجارية بينهم ، فإذا لا يمكن إنكار تحديه بالقرآن ولا يمكن إنكار اقتدار العرب على طريق الفصاحة ولا يمكن انكار حرصهم على دفع نبوته بكل ممكن حماية لدينهم ودمهم ومالهم وتخلصا من سطوة المسلمين وقهرهم ، ولا يمكن إنكار عجزهم لأنهم لو قدروا لفعلوا ، فإن العادة قاضية بالضرورة بأن القادر على دفع الهلاك عن نفسه يشتغل بدفعه ، ولو فعلوا لظهر ذلك ونقل . فهذه مقدمات بعضها بالتواتر وبعضها بجاري العادات وكل ذلك مما يورث اليقين فلا حاجة إلى التطويل . وبمثل هذا الطريق تثبت نبوة عيسى ولا يقدر النصراني على إنكار شيء من ذلك ؛ فإنه يمكن أن يقابل بعيسى فينكر تحديه بالنبوة أو استشهاده باحياء الموتى أو وجود إحياء الموتى أو عدم المعارضة أو يقال عورض ولم يظهر ، وكل ذلك
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ٢٢٧
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/٢٢٧)