فإذا ما أمرت هذا لو قاله المفتي فهو باطل بالاتفاق ، فقد انكشف الغطاء ولاح وجود معنى هو مدلول اللفظ زائدا على ما عداه من المعاني ، ونحن نسمي ذلك كلاما وهو جنس مخالف للعلوم والإرادات والاعتقادات ، وذلك لا يستحيل ثبوته لله تعالى بل يجب ثبوته فإنه نوع كلام فإذا هو المعني بالكلام القديم . وأما الحروف فهي حادثة وهي دلالات على الكلام والدليل غير المدلول ولا يتصف بصفة المدلول ، وإن كانت دلالته ذاتية كالعالم فإنه حادث ويدل على صانع قديم فمن أين يبعد أن تدل حروف حادثة على صفة قديمة مع أن هذه دلالة بالاصطلاح ؟ ولما كان كل كلام النفس دقيقا زل عى ذهن أكثر الضعفاء فلم يثبتوا إلا حروفا وأصواتا ويتوجه لهم على هذا المذهب أسئلة واستبعادات نشير إلى بعضها ليستدل بها على طريق الدفع في غيرها . الاستبعاد الأول : قول القائل كيف سمع موسى كلام الله تعالى ؛ أسمع صوتا وحرفا ؟ فإن قلتم ذلك فإذا لم يسمع كلام الله فإن كلام الله ليس بحرف ، وإن لم يسمع حرفا ولا صوتا فكيف يسمع ما ليس بحرف ولا صوت ؟ قلنا : سمع كلام الله تعالى وهو صفة قديمة قائمة بذات الله تعالى ليس بحرف ولا صوت ، فقولكم كيف سمع كلام الله تعالى كلام من لا يفهم المطلوب من
الفرق والكلام وعقيدة المتأخرين
الاقتصاد في الاعتقاد
أبو حامد الغزالي (ت ٥٠٥هـ)
دار ومكتبة الهلال، لبنان · ١٩٩٣م · نص مشروع OpenITI
الاقتصاد في الاعتقاد · الجزء ١ · ص ١٤٧
الإحالة: (الغزالي، ت ٥٠٥هـ: ١/١٤٧)