والوجه الثاني : أنها تجب قولا واحدا ، لأنه لا مطالب بها غير الحاكم ، وليست كحقوق الآدميين التي لها خصم يطلب . والوجه الثالث : أنها لا تجب قولا واحدا ، لأن حق الله تعالى في شركهم أعظم ، وقد أقروا عليه فكذلك ما سواه من حقوقه ، وليس كذلك حقوق الآدميين ، لأنهم فيها متشاجرون متظالمون ودار الإسلام تمنع من التظالم - والله أعلم - . فصل فأما إذا كان التحاكم بين مسلم وذمي ومعاهد وجب على الحاكم أن يحكم بينهم قولا واحدا سواء كان المسلم طالبا أو مطلوبا ، لأنهما يتجاذبان إلى الإسلام والكفر فوجب أن يكون حكم الإسلام أغلب لرواية عائذ بن عمر المزني أن النبي [ ] قال : ' الإسلام يعلو ولا يعلى ' ولو كان التحاكم بين ذمي ومعاهد كان على قولين تغليبا لأوكدهما حرمة كما لو كانت بين مسلم ومعاهد حكم بينهما قولا واحدا تغليبا لحرمة الإسلام التي هي أوكد . فصل ثم إذا حكم حاكمنا بين ذميين أو معاهدين لم يحكم بينهم بالتوراة إن كانا يهوديين ولا بالإنجيل إن كانا نصرانيين ، ولم يحكم إلا بكتاب الله تعالى وسنة رسوله [ ] لقوله تعالى : ^ ( وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك ) ^ ( المائدة : 49 ) . أي يفتنونك بتوارتهم وإنجيلهم عما أنزل عليك من القرآن قال الله تعالى : ^ ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون ) ^ ( المائدة : 44 ) . فإن قيل : فكيف لا يحكم بينهم بكتابهم ، وقد قال الله : ^ ( إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا ) ^ ( المائدة : 44 ) . وقد أحضر رسول الله ﷺ التوراة حين رجم اليهوديين حتى رجمهما لما فيها من الرجم . قيل : أما الآية فتضمنت صفة التوراة على ما كانت من الهدى والنور ، وأنه كان يحكم بها النبيون وكذا كان حالها ثم غيرت حين بدل أهلها كما قال تعالى : ^ ( تجعلونه قراطيس تبدونها وتخفون كثيرا ) ^ ( الأنعام : 91 ) . ومع تغيرهم لها وتبديلهم فيها لا يتميز الحق من الباطل فوجب العدول عنها ، وأما إحضاره التوراة عند رجم اليهوديين ، فلأنه حين حكم عليها بالرجم أخبر اليهود أن في التوراة فأنكروه فأمر بإحضارها لتكذيبهم ، فلما حضرت ترك ابن صوريا وهو أحد أحبارهم يده على ذكر الرجم ، فأمره رسول الله [ ] برفع يده فإذا آية الرجم تلوح فكان إحضارها ردا لإنكارهم وإظهارا لتكذيبهم ، لا لأن يحكم بها عليهم لأنه قد حكم بالرجم قبل حضورها - والله أعلم - . مسألة $ قال الشافعي : ' فإن لم يكن حكم مضى لم يزوجهم إلا بولي وشهود مسلمين
الفقه الشافعي
الحاوي الكبير
أبو الحسن الماوردي (ت ٤٥٠هـ)
دار الكتب العلمية، بيروت · تحقيق علي محمد معوض وعادل أحمد عبد الموجود · ١٤١٩هـ/١٩٩٩م · نص مشروع OpenITI
الحاوي الكبير · الجزء ٩ · ص ٣٠٨
الإحالة: (الماوردي، ت ٤٥٠هـ: ٩/٣٠٨)