صحيح البخاري (البخاري، ت ٢٥٦هـ: ٤/٩٧، ح ٣١٥٩)
حدثنا الفضل بن يعقوب، حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، حدثنا المعتمر بن سليمان، حدثنا سعيد بن عبيد الله الثقفي، حدثنا بكر بن عبد الله المزني، وزياد بن جبير، عن جبير بن حية، قال: بعث عمر الناس في أفناء الأمصار، يقاتلون المشركين، فأسلم الهرمزان، فقال: إني مستشيرك في مغازي هذه؟ قال: نعم مثلها ومثل من فيها من الناس من عدو المسلمين مثل طائر له رأس وله جناحان وله رجلان، فإن كسر أحد الجناحين نهضت الرجلان بجناح والرأس، فإن كسر الجناح الآخر نهضت الرجلان والرأس، وإن شدخ الرأس ذهبت الرجلان والجناحان والرأس، فالرأس كسرى، والجناح قيصر، والجناح الآخر فارس، فمر المسلمين، فلينفروا إلى كسرى، - وقال بكر، وزياد جميعا عن جبير بن حية - قال: فندبنا عمر، واستعمل علينا النعمان بن مقرن، حتى إذا كنا بأرض العدو، وخرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفا، فقام ترجمان، فقال: ليكلمني رجل منكم، فقال المغيرة: سل عما شئت؟ قال: ما أنتم؟ قال: نحن أناس من العرب، كنا في شقاء شديد وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك إذ بعث رب السموات ورب الأرضين - تعالى ذكره وجلت عظمته - إلينا نبيا من أنفسنا نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم
«أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا، أنه من قتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم»،
درجة الحديث
صحيحأخرجه البخاري في «صحيحه».
منزلته عند البخاري
لم نجده فيما انتقده الدارقطني وغيره على البخاري («هدي الساري»، الفصل الثامن).
قال ابن حجر: من أخرج له البخاري في الأصول فإخراجه له تعديل، «فأما إن خرج له في المتابعات والشواهد والتعاليق فهذا يتفاوت درجات من أخرج له منهم في الضبط».
الحديث الصحيح: ما اتصل سنده بنقل الراوي العدل الضابط عن مثله إلى منتهاه، من غير شذوذ ولا علّة.
سنده وعلله في «المسند المصنف المعلل»
11291- عن جبير بن حية، قال: بعث عمر الناس في أفناء الأمصار يقاتلون المشركين، فأسلم الهرمزان، فقال: إني مستشيرك في مغازي هذه، قال: نعم، مثلها ومثل من فيها من الناس، من عدو المسلمين، مثل طائر له رأس، وله جناحان، وله رجلان، فإن كسر أحد الجناحين، نهضت الرجلان بجناح والرأس، فإن كسر الجناح الآخر، نهضت الرجلان والرأس، وإن شدخ الرأس، ذهبت الرجلان والجناحان والرأس، فالرأس كسرى، والجناح قيصر، والجناح الآخر فارس، فمر المسلمين فلينفروا إلى كسرى. وقال بكر، وزياد جميعا، عن جبير بن حية، قال: فندبنا عمر، واستعمل علينا النعمان بن مقرن، حتى إذا كنا بأرض العدو، وخرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفا، فقام ترجمان، فقال: ليكلمني رجل منكم، فقال المغيرة: سل عما شئت، قال: ما أنتم؟ قال: نحن أناس من العرب، كنا في شقاء شديد، وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر، فبينا نحن كذلك، إذ بعث رب السماوات ورب الأرضين، تعالى ذكره، وجلت عظمته، إلينا نبيا من أنفسنا، نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا، رسول ربنا صلى الله عليه وسلم، أن نقاتلكم، حتى تعبدوا الله وحده، أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم، عن رسالة ربنا، أنه من قتل منا صار إلى الجنة، في نعيم لم ير مثلها قط، ومن بقي منا ملك رقابكم. فقال النعمان: ربما أشهدك الله مثلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يندمك ولم يخزك، ولكني شهدت القتال مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا لم يقاتل في أول النهار، انتظر حتى تهب الأرواح، وتحضر الصلوات (1). - وفي رواية: «عن جبير بن حية، عن المغيرة بن شعبة، قال: أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم، عن رسالة ربنا: أنه من قتل منا صار إلى الجنة، في نعيم لم ير مثلها، ومن بقي منا ملك رقابكم، قال: ذلك لعامل كسرى» (1). - وفي رواية: «عن جبير بن حية؛ أن عمر بن الخطاب، رضوان الله عليه، قال للهرمزان: أما إذ فتني بنفسك، فانصح لي، وذلك أنه قال له: تكلم لا بأس، فأمنه، فقال الهرمزان: نعم، إن فارس اليوم رأس وجناحان، قال: فأين الرأس؟ قال: بنهاوند مع بنذاذقان، فإن معه أساورة كسرى وأهل أصفهان، قال: فأين الجناحان، فذكر الهرمزان مكانا نسيته، فقال الهرمزان: فاقطع الجناحين توهن الرأس، فقال له عمر، رضوان الله عليه: كذبت يا عدو الله، بل أعمد إلى الرأس فيقطعه الله، وإذا قطعه الله عني انفض عني الجناحان، فأراد عمر أن يسير إليه بنفسه، فقالوا: نذكرك الله يا أمير المؤمنين، أن تسير بنفسك إلى العجم، فإن أصبت بها لم يكن للمسلمين نظام، ولكن ابعث الجنود، قال: فبعث أهل المدينة، وبعث فيهم عبد الله بن عمر بن الخطاب، وبعث المهاجرين والأنصار، وكتب إلى أبي موسى الأشعري: أن سر بأهل البصرة، وكتب إلى حذيفة بن اليمان: أن سر بأهل الكوفة، حتى تجتمعوا جميعا بنهاوند، فإذا اجتمعتم فأميركم النعمان بن مقرن المزني، قال: فلما اجتمعوا بنهاوند جميعا، أرسل إليهم بنذاذقان العلج: أن أرسلوا إلينا يا معشر العرب رجلا منكم نكلمه، فاختار الناس المغيرة بن شعبة، قال أبي: فكأني أنظر إليه رجل طويل، أشعر أعور، فأتاه، فلما رجع إلينا سألناه، فقال لنا: إني وجدت العلج قد استشار أصحابه: في أي شيء تأذنون لهذا العربي، أبشارتنا وبهجتنا وملكنا، أو نتقشف له فنزهده عما في أيدينا؟ فقالوا: بل نأذن له بأفضل ما يكون من الشارة والعدة، فلما أتيتهم، رأيت تلك الحراب والدرق يلتمع منه البصر، ورأيتهم قياما على رأسه، وإذا هو على سرير من ذهب، وعلى رأسه التاج، فمضيت كما أنا، ونكست رأسي لأقعد معه على السرير، قال: فدفعت ونهرت، فقلت: إن الرسل لا يفعل بهم هذا، فقالوا لي: إنما أنت كلب، أتقعد مع الملك؟ فقلت: لأنا أشرف في قومي من هذا فيكم، قال: فانتهرني، وقال: اجلس، فجلست، فترجم لي قوله، فقال: يا معشر العرب، إنكم كنتم أطول الناس جوعا، وأعظم الناس شقاء، وأقذر الناس قذرا، وأبعد الناس دارا، وأبعده من كل خير، وما كان منعني أن آمر هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا تنجسا بجيفكم، لأنكم أرجاس، فإن تذهبوا نخلي عنكم، وإن تأبوا نركم مصارعكم. قال المغيرة: فحمدت الله، وأثنيت عليه، وقلت: والله، ما أخطأت من صفتنا ونعتنا شيئا، إن كنا لأبعد الناس دارا، وأشد الناس جوعا، وأعظم الناس شقاء، وأبعد الناس من كل خير، حتى بعث الله إلينا رسولا، فوعدنا النصر في الدنيا، والجنة في الآخرة، فلم نزل نتعرف من ربنا مذ جاءنا رسوله صلى الله عليه وسلم الفلج والنصر، حتى أتيناكم، وإنا والله نرى لكم ملكا وعيشا، لا نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا حتى نغلبكم على ما في أيديكم، أو نقتل في أرضكم، فقال: أما الأعور فقد صدقكم الذي في نفسه، فقمت من عنده، وقد والله أرعبت العلج جهدي، فأرسل إلينا العلج: إما أن تعبروا إلينا بنهاوند، وإما أن نعبر إليكم، فقال النعمان: اعبروا، فعبرنا. قال أبي: فلم أر كاليوم قط، إن العلوج يجيؤون كأنهم جبال الحديد، وقد تواثقوا أن لا يفروا من العرب، وقد قرن بعضهم إلى بعض، حتى كان سبعة في قران، وألقوا حسك الحديد خلفهم، وقالوا: من فر منا عقره حسك الحديد، فقال المغيرة بن شعبة حين رأى كثرتهم: لم أر كاليوم فشلا، إن عدونا يتركون أن يتتاموا، فلا يعجلوا، أما والله لو أن الأمر إلي لقد أعجلتهم به. قال: وكان النعمان رجلا بكاء، فقال: قد كان الله، جل وعلا، يشهدك أمثالها فلا يخزيك، ولا يعري موقفك، وإنه والله ما منعني أن أناجزهم إلا لشيء شهدته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان إذا غزا، فلم يقاتل أول النهار، لم يعجل حتى تحضر الصلوات، وتهب الأرواح، ويطيب القتال. ثم قال النعمان: اللهم إني أسألك أن تقر عيني اليوم بفتح يكون فيه عز الإسلام وأهله، وذل الكفر وأهله، ثم اختم لي على إثر ذلك بالشهادة، ثم قال: أمنوا يرحمكم الله، فأمنا، وبكى وبكينا. ثم قال النعمان: إني هاز لوائي، فتيسروا للسلاح، ثم هازه الثانية، فكونوا متيسرين لقتال عدوكم بإزائهم، فإذا هززته الثالثة، فليحمل كل قوم على من يليهم من عدوكم على بركة الله، قال: فلما حضرت الصلاة، وهبت الأرواح، كبر وكبرنا، وقال: ريح الفتح والله إن شاء الله، وإني لأرجو أن يستجيب الله لي، وأن يفتح علينا، فهز اللواء، فتيسروا، ثم هزه الثانية، ثم هزه الثالثة، فحملنا جميعا كل قوم على من يليهم، وقال النعمان: إن أنا أصبت فعلى الناس حذيفة بن اليمان، فإن أصيب حذيفة ففلان، فإن أصيب فلان ففلان، حتى عد سبعة آخرهم المغيرة بن شعبة. قال أبي: فوالله ما علمت من المسلمين أحدا يحب أن يرجع إلى أهله حتى يقتل، أو يظفر، وثبتوا لنا، فلم نسمع إلا وقع الحديد على الحديد، حتى أصيب في المسلمين مصابة عظيمة، فلما رأوا صبرنا، ورأونا لا نريد أن نرجع، انهزموا، فجعل يقع الرجل فيقع عليه سبعة في قران، فيقتلون جميعا، وجعل يعقرهم حسك الحديد خلفهم. فقال النعمان: قدموا اللواء، فجعلنا نقدم اللواء فنقتلهم ونضربهم، فلما رأى النعمان أن الله قد استجاب له، ورأى الفتح، جاءته نشابة فأصابت خاصرته، فقتلته، فجاء أخوه معقل بن مقرن فسجى عليه ثوبا، وأخذ اللواء فتقدم به، ثم قال: تقدموا رحمكم الله، فجعلنا نتقدم فنهزمهم ونقتلهم، فلما فرغنا واجتمع الناس قالوا: أين الأمير؟ فقال معقل: هذا أميركم قد أقر الله عينه بالفتح، وختم له بالشهادة، فبايع الناس حذيفة بن اليمان. قال: وكان عمر، رضوان الله عليه، بالمدينة يدعو الله، وينتظر مثل صيحة الحبلى، فكتب حذيفة إلى عمر بالفتح مع رجل من المسلمين، فلما قدم عليه، قال: أبشر يا أمير المؤمنين، بفتح أعز الله فيه الإسلام وأهله، وأذل فيه الشرك وأهله، وقال: النعمان بعثك؟ قال: احتسب النعمان يا أمير المؤمنين، فبكى عمر واسترجع، وقال: ومن ويحك؟ فقال: فلان، وفلان، وفلان، حتى عد ناسا، ثم قال: وآخرين يا أمير المؤمنين لا تعرفهم، فقال: عمر، رضوان الله عليه، وهو يبكي: لا يضرهم أن لا يعرفهم عمر، لكن الله يعرفهم (1). أخرجه البخاري 4/ 118 (3159 و3160) و9/ 189 (7530)، وفي «خلق أفعال العباد» (421) قال: حدثنا الفضل بن يعقوب، قال: حدثنا عبد الله بن جعفر الرقي، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان، قال: حدثنا سعيد بن عبيد الله الثقفي، قال: حدثنا بكر بن عبد الله المزني، وزياد بن جبير. و«ابن حبان» (4756) قال: أخبرنا عمر بن محمد الهمداني، قال: حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، قال: حدثنا آدم بن أبي إياس، قال: حدثنا مبارك بن فضالة، قال: حدثنا زياد بن جبير بن حية. كلاهما (بكر المزني، وزياد بن جبير) عن جبير بن حية، فذكره (2). ـ في الموضع الثاني من «صحيح البخاري» (7530): «سعيد بن عبد الله» وجاء على حاشية المطبوع: «عبد الله» كذا هو في اليونينية بالتكبير، وفي نسخ معتمدة «عبيد الله» بالتصغير، وقال في الفتح إنه للأكثر. ـ فوائد: ـ قال ابن حجر: قوله: «حدثنا سعيد بن عبيد الله الثقفي»، كذا للأكثر. ووقع في رواية القابسي: «عن أبي زيد، سعيد بن عبد الله» بفتح العين وسكون الموحدة، قال أبو علي الجياني: وكذا كان في نسخة أبي محمد الأصيلي إلا أنه أصلحه «عبيد الله» بالتصغير، وقال: هو سعيد بن عبيد الله بن جبير بن حية. «فتح الباري» 13/ 506.
حواشي المحقق
(1) اللفظ للبخاري (3159 و3160). (1) اللفظ للبخاري، في «خلق أفعال العباد». (1) اللفظ لابن حبان. (2) المسند الجامع (11773)، وتحفة الأشراف (11491). والحديث؛ أخرجه ابن أبي عاصم، في «الآحاد والمثاني» (1082)، والطبراني 20/ (1049)، والبيهقي 9/ 191.
رواة السند
من كتب الرجال والجرح والتعديل. قد يشترك في الاسم أكثر من راوٍ، فيُعتمد من وافق السند في نسبته وكنيته وشيوخه.
جبير بن حيهحاله في كتب الرجال ↗
(1) [تقريب التهذيب] 899 جبير بن حية بمهملة وتحتانية ثقيلة بن مسعود الثقفي بن أخي عروة بن مسعود ثقة جليل من الثالثة مات في خلافة عبد الملك بن مروان خ 4 (2) [الكاشف] جبير بن حية الثقفي، عن عمر، وجماعة، وعنه زياد ابنه، وبكر بن عبد الله. خ 4. (3) [رجال الحديث] - جبير بن حية بن مسعود، الثقفي، ابن أخي عروة بن مسعود، ثقة جليل، من الثالثة، مات في خلافة عبد الملك بن مروان. (خ 4). ثقة.
تقريب التهذيب (ابن حجر، ت ٨٥٢هـ: ١/١٣٨) ↗